يعيش البحث العلمي في المغرب وضعاً مقلقاً يثير أسئلة جوهرية حول اختيارات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار، في ظل فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي يضع المعرفة والابتكار في صلب التنمية، وواقع عملي يكرّس ضعف التمويل وغياب رؤية استراتيجية قادرة على تحويل الجامعة إلى قاطرة للاقتصاد الوطني. واقعٌ يضعف القدرة التنافسية للمغرب في سباق عالمي لا يعترف إلا بالعلم والبحث والتجديد.
ورغم الإشارات المتكررة في البرامج الحكومية إلى أهمية البحث العلمي، تكشف الأرقام عن مسار معاكس، حيث لا تتجاوز ميزانيته حوالي 1 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهو مستوى يظل بعيداً عن الحد الأدنى اللازم لبناء منظومة بحث قادرة على إنتاج المعرفة ودعم الابتكار واستقطاب الكفاءات.
وفي هذا السياق، نبهت الباحثة سلوى البردعي إلى أن هذه النسبة تظل ضعيفة جداً، ولا تسمح بإرساء بنية علمية متماسكة، معتبرة أن الاختلال المالي يشكل أحد أعطاب السياسات العمومية في مجال التعليم العالي، ويحدّ من قدرة الجامعات على لعب أدوارها العلمية والاقتصادية والمجتمعية.
وتزداد حدة المفارقة عند المقارنة الدولية. ففي أوروبا، تخصص فرنسا حوالي 2.2 في المائة من ناتجها الداخلي الخام للبحث العلمي، بينما تتجاوز ألمانيا 3.1 في المائة، وتصل النسبة في السويد وفنلندا إلى ما بين 3 و3.5 في المائة، وهو ما مكّن هذه الدول من تحويل البحث العلمي إلى رافعة أساسية للاختراع والتكنولوجيا والصناعة المتقدمة.
أما على المستوى العربي، فتبدو المقارنة أكثر إحراجاً. فقد رفعت تونس مخصصات البحث العلمي إلى حوالي 1.2 في المائة، وتقترب مصر من عتبة 1 في المائة مع توجه رسمي للرفع التدريجي، فيما تتراوح النسبة في الإمارات بين 1.3 و1.5 في المائة، في إطار رؤية واضحة تجعل البحث العلمي ركيزة للتنافسية الاقتصادية.
في المقابل، يواصل المغرب الدوران في نفس الحلقة، دون قفزة نوعية في التمويل أو في حكامة القطاع.
ويرى متابعون أن ضعف الميزانية لا ينعكس فقط على عدد الأبحاث المنشورة أو براءات الاختراع، بل يضرب في العمق ظروف اشتغال الباحثين، ويحد من تجهيز المختبرات، ويغذي نزيف هجرة الكفاءات نحو الخارج، حيث تتوفر بيئة بحثية محفزة وتمويل مستقر وآفاق مهنية أوضح.
كما يؤكد فاعلون أكاديميون أن غياب الربط البنيوي بين البحث العلمي وحاجيات الاقتصاد الوطني يحوّل كثيراً من الأبحاث إلى إنتاج نظري معزول عن الواقع، دون أثر فعلي على التنمية أو الصناعة أو السياسات العمومية، وهو ما يكرّس قطيعة بين الجامعة ومحيطها الاقتصادي والاجتماعي.
وأمام هذا الوضع، تتعالى الدعوات إلى مراجعة شاملة لسياسة البحث العلمي، تنطلق من رفع الميزانية إلى مستويات أقرب إلى المعدلات الدولية، وتعزيز استقلالية المختبرات، وربط التمويل بالنجاعة والنتائج، وتوجيه البحث نحو أولويات وطنية واضحة في مجالات الاقتصاد والصناعة والطاقة والرقمنة.
فمن دون استثمار حقيقي في المعرفة، يظل الحديث عن الابتكار والسيادة التكنولوجية خطاباً بلا أثر، بينما يواصل المغرب تفويت فرص استراتيجية في سباق عالمي لا ينتظر المتأخرين، عنوانه العلم والبحث والاختراع.






