تقرير أسود.. الجماعات الترابية تتصدر اختلالات تبديد المال العام

كشف المجلس الأعلى للحسابات من خلال أحدث تقاريره، صورة مقلقة عن واقع الجماعات الترابية، التي باتت تشكل الحلقة الأضعف في منظومة تدبير المال العام، بل وأخطر بؤر الاختلال وسوء الحكامة على المستوى المحلي. فالأرقام الرسمية لم تعد تترك مجالاً للتشكيك: الخلل واسع، متكرر، وممتد زمنياً.

تشير المعطيات إلى أن القضايا الرائجة أمام المجالس الجهوية للحسابات همّت 141 جهازاً، استأثرت الجماعات الترابية وحدها بـ88.7 في المائة منها، أي 125 جماعة. هذا الرقم الصادم يؤكد أن الاختلال لم يعد حالة استثنائية، بل تحول إلى نمط تدبير شبه دائم داخل عدد كبير من الجماعات، رغم ما تتلقاه من اعتمادات مالية وصلاحيات موسعة.

ولا تقل خطورة الأرقام المتعلقة بالأشخاص المتابعين حدةً، إذ بلغ عددهم 332 شخصاً، تصدرهم رؤساء الجماعات والأجهزة الترابية بنسبة تقارب النصف. وهو ما يكشف أن المسؤولية لا تقف عند حدود الموظف المنفذ، بل تطال القرار السياسي المحلي الذي يفترض فيه حماية المال العام لا المجازفة به أو توظيفه بمنطق الريع والولاءات.

واقع الجماعات الترابية يطرح مفارقة خطيرة: سلطات واسعة مقابل رقابة محدودة. فالجماعات تشرف على الصفقات العمومية، والتدبير المفوض، والبرامج التنموية، والتوظيفات، غير أن ضعف آليات التتبع والمساءلة حول هذه الصلاحيات إلى بوابة مفتوحة للاختلالات، من خروقات مالية، وسوء تقدير للنفقات، وتدبير عشوائي يفتقر إلى الرؤية والاستدامة.

الأخطر أن تكرار هذه القضايا يعكس فشلاً مزدوجاً: فشل في الحكامة المحلية، وفشل في الرقابة الاستباقية. إذ لا يعقل أن تصل عشرات الجماعات إلى قاعات المتابعة القضائية دون أن تكون هناك إشارات إنذار مبكر، أو تدخلات حازمة توقف النزيف قبل أن يتحول إلى ملفات ثقيلة أمام القضاء المالي.

إن استمرار هذا الوضع ينسف عملياً كل الخطاب الرسمي حول الجهوية المتقدمة والتنمية المحلية. فلا تنمية بدون حكامة، ولا جهوية بدون مسؤولية، ولا ثقة للمواطن في مؤسساته المحلية ما دامت الجماعات تُسجل كأكثر المتورطين في قضايا المال العام.

الخلاصة أن ما يجري داخل عدد كبير من الجماعات الترابية ليس مجرد تعثر إداري، بل أزمة تدبير حقيقية تتطلب قرارات شجاعة: محاسبة صارمة، ربط فعلي بين المسؤولية والجزاء، وإعادة النظر في أهلية من يُسلم لهم تدبير المال العام. غير ذلك، ستظل الجماعات عبئاً على الدولة بدل أن تكون رافعة للتنمية.