مفاجآت “البام” في الطريق إلى انتخابات 2026

أنهى حزب الأصالة والمعاصرة أشغال دورته الحادية والثلاثين لمجلسه الوطني بمدينة سلا، في محطة تنظيمية جاءت بعد طول انتظار، وفي سياق سياسي يتسم بتسارع التحولات واقتراب موعد الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026.

اجتماع لم يحمل في ظاهره قرارات دراماتيكية أو تغييرات قيادية مفاجئة، غير أنه كشف، في العمق، عن ملامح استراتيجية هادئة يراهن عليها الحزب لإعادة ترتيب موقعه داخل المشهد السياسي الوطني.

انعقاد المجلس الوطني جاء بعد تعثرات متكررة فرضتها إكراهات تنظيمية وصحية، ما غذّى تكهنات واسعة حول إمكانية إقدام الحزب على مراجعات جذرية في بنيته القيادية أو في تموقعه السياسي. غير أن قيادة الحزب اختارت، على ما يبدو تبديد هذه التوقعات والإبقاء على الاجتماع في إطاره المؤسساتي المعتاد، مع التركيز على توجيه رسائل سياسية محسوبة تتجاوز اللحظة التنظيمية إلى أفق الانتخابات المقبلة.

في هذا السياق، قدّمت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للحزب، قراءة واثقة للمرحلة معتبرة أن الاستحقاقات التشريعية المقبلة تشكل لحظة محاسبة سياسية حقيقية، وأن حزب الأصالة والمعاصرة يدخل هذا الموعد وهو واعٍ بثقل المسؤولية وبحق المواطنين في النقد والمساءلة.

وأكدت أن الحزب يراهن على رصيده التنظيمي والسياسي، وعلى ما وصفته بصدق الممارسة، من أجل تصدر نتائج الانتخابات المقبلة.

المنصوري شددت، في كلمتها، على أن الانتماء الحزبي مسؤولية أخلاقية وسياسية، وليس امتيازا، مبرزة أن حزبها اختار منذ تأسيسه تحمل هذه المسؤولية سواء من موقع المعارضة أو من داخل الأغلبية الحكومية.

واعتبرت أن النتائج التي جعلت الحزب ثاني قوة سياسية خلال الاستحقاقات السابقة لم تكن نتاج الصدفة، وإنما ثمرة مشروع واضح واختيارات سياسية حافظ الحزب على انسجامها.

وفي دفاعها عن مشاركة الحزب في الحكومة، أكدت المنسقة الوطنية أن “البام” اختار منطق الانسجام وتحمل المسؤولية المشتركة داخل الأغلبية، مفضلاً العمل من داخل المؤسسات على المزايدات والخطابات الشعبوية.

وربطت ثقة المواطنين في الحزب بممارسته السياسية، معتبرة أن الحزب قد يخطئ بحكم طبيعته البشرية، لكنه لا يناور ولا يتنكر لالتزاماته، وهو ما يشكل، في نظرها، رصيدا أخلاقيا حاسما في معركة الثقة الانتخابية المقبلة.

من جهته، ركز عضو القيادة الجماعية محمد المهدي بنسعيد على ملف الشباب وتخليق العملية الانتخابية، معتبرا أن إشراك الشباب في الحياة السياسية يظل رهينا بمحاصرة الممارسات التي تسيء إلى العمل السياسي، وفي مقدمتها استعمال المال وشراء الأصوات واستغلال الهشاشة الاجتماعية.

وأكد أن معركة الانتخابات ليست فقط معركة قوانين ونصوص، بل معركة قيم قوامها النزاهة والشفافية واحترام الإرادة الشعبية.

بنسعيد اعتبر أن موقف حزب الأصالة والمعاصرة من القوانين الانتخابية كان مسؤولا وإيجابيا لأنها بحسب تعبيره فتحت المجال أمام الطاقات الشابة والكفاءات الجديدة، وضيّقت الخناق على مظاهر الفساد الانتخابي. كما وجّه خطابا مباشرا إلى الشباب، داعيا إياهم إلى تجاوز القطيعة مع السياسة والانخراط الواعي في العمل الحزبي والمؤسساتي، باعتباره السبيل العملي للتأثير في السياسات العمومية.

وفي الشق المتعلق بالحصيلة الحكومية حرصت قيادة الحزب على إبراز مساهمة وزرائه في تمرير إصلاحات وُصفت بالجريئة والمؤجلة منذ سنوات، من بينها قوانين وهيكليات ذات طابع اجتماعي ومؤسساتي، مع التأكيد على أن الجرأة في اتخاذ القرار كانت خيارا واعيا، حتى وإن ترتبت عنها كلفة سياسية آنية.

كما تم التأكيد على أن العمل الحكومي، بدعم وترافع من حزب الأصالة والمعاصرة داخل الأغلبية، سعى إلى توجيه الاستثمارات العمومية نحو تقليص الفوارق المجالية، وتعزيز العدالة الاجتماعية، وربط التنمية بالأثر الملموس على حياة المواطنين، خاصة في العالم القروي والمناطق التي ظلت تعاني من الهشاشة.

وعلى الرغم من الطابع الهادئ الذي طبع أشغال المجلس الوطني، فإن الرسائل التي خرج بها الاجتماع تعكس استعدادا مبكرا لمعركة انتخابية تبدو معقدة، في ظل إعادة تشكل موازين القوى داخل الأغلبية الحكومية، واقتراب نهاية الولاية الحالية. فغياب مفاجآت تنظيمية لا يعني غياب رهانات سياسية، بل يعكس اختيار الحزب الاشتغال بمنطق التراكم والانضباط الداخلي، مع ترك باب “المفاجآت” مفتوحا لمسار الحملة الانتخابية المقبلة.

ويبدو أن حزب الأصالة والمعاصرة يراهن، في الطريق إلى انتخابات 2026، على مفاجآت من نوع آخر: مفاجآت هادئة، تقوم على الترويج لالتحام القيادة، تعبئة القواعد، مخاطبة الشباب، وتقديم نفسه كقوة سياسية وازنة قادرة على الانتقال من موقع الشريك الحكومي إلى موقع المنافس الجدي على صدارة المشهد الانتخابي.