مشروع قانون المحاماة… حين تقرر الحكومة كسر آخر جيوب الاستقلالية!!

هاشتاغ

ما يجري اليوم حول مشروع قانون مهنة المحاماة لا يمكن اختزاله في نقاش تقني أو اختلاف مهني عابر، بل هو مواجهة سياسية مكتملة الأركان بين سلطة تريد الإخضاع، ومهنة ترفض التدجين. إنها معركة إرادات، عنوانها الحقيقي: من يملك القرار في هذا البلد؟ الدولة أم المجتمع؟

إصرار المحامين على مواصلة الاحتجاج لم يأتِ من فراغ، ولا هو نزوة فئوية كما تحاول بعض الأبواق تصويره، بل هو رد فعل طبيعي على مشروع قانون يُنظر إليه كأداة لإعادة ترتيب موازين القوة، عبر ضرب استقلال مهنة ظلت، لعقود، شوكة في خاصرة التحكم، وصوتاً مزعجاً داخل منظومة اعتادت الطاعة أكثر من النقد.

الذاكرة الجماعية لم تنسَ بعد مرحلة جائحة كورونا، حين استُعمل الخوف الصحي لتبرير توسيع غير مسبوق في دائرة الضبط والسيطرة. في تلك اللحظة، صمتت أحزاب، وتراجعت نقابات، وانكمش الإعلام، بينما اختار المحامون طريق المواجهة ورفضوا التحول إلى مجرد ملحق إداري للسلطة. ذلك “الخطأ” – من وجهة نظر مراكز القرار – لم يُنسَ، ويبدو أن مشروع قانون المحاماة جاء ليكون الجواب المؤجل عنه.

المشروع، كما هو معروض، لا يستهدف تنظيم المهنة بقدر ما يسعى إلى ترويضها، عبر تقليص استقلاليتها، وتوسيع سلطة الوصاية، وتحويل المحامي من فاعل حر إلى منفذ صامت، لا يختلف كثيراً عن موظف يخضع للتعليمات. وهو نفس المسار الذي سلكته الدولة مع الأحزاب السياسية، والنقابات العمالية، وقطاعات من الصحافة، التي جرى تفريغها من أدوارها وتحويلها إلى هياكل بلا روح.

الخطير في الأمر أن هذا التوجه لا ينفصل عن خيار اقتصادي–سياسي واضح، يقوم على الخضوع لمنطق النيوليبرالية المتوحشة، حيث تُفصَّل القوانين على مقاس “جاذبية الاستثمار”، ولو كان الثمن هو سحق التوازنات الاجتماعية، وتهميش الكفاءات الوطنية، وضرب مبدأ السيادة القانونية.

فهل يُعقل أن يُفتح الباب أمام محامي الشركات العابرة للقارات لممارسة النفوذ داخل المحاكم المغربية، بينما يُحاصر المحامي المغربي داخل بلده؟
الرسالة التي تريد الدولة تمريرها واضحة: لا أحد فوق منطق الإخضاع. وإذا كانت الحكومة تراهن على إنهاك المحامين، أو جرّهم إلى مساومات شكلية، فإنها تتجاهل حقيقة بسيطة: أن كسر مهنة المحاماة يعني كسر أحد الأعمدة الأخيرة لدولة الحق والقانون، وفتح الباب على مصراعيه أمام تغول بلا ضوابط.

ورغم الضغوط المتصاعدة، تُظهر الوقائع أن الحكومة، ومعها وزارة العدل المغربية، ليست في وارد التراجع الحقيقي. وحتى إن قُدّمت تنازلات جزئية، فإنها لن تكون سوى تجميل شكلي لمشروع يحمل في جوهره نزعة سلطوية واضحة، ستُسوَّق للرأي العام باعتبارها “إصلاحاً شجاعاً”، بينما هي في الواقع خطوة إضافية في مسار الإخضاع الشامل.

ما يحدث اليوم ليس معركة المحامين وحدهم، بل معركة كل من يؤمن بأن المغرب لا يمكن أن يُبنى بقوانين الخوف، ولا بمهن صامتة، ولا بمجتمع منزوع المخالب. الأيام القادمة لن تكشف فقط مصير مشروع قانون، بل ستفضح الاتجاه الذي يُدفع إليه البلد: إما دولة توازنات ومؤسسات حية، أو سلطة بلا كوابح… وذلك هو الخطر الحقيقي.