كشفت وكالة التصنيف الائتماني S&P Global، يوم الاثنين 2 فبراير، عن تقريرها الاستشرافي حول النظام البنكي المغربي، الذي يرسم ملامح سنة مفصلية يُنتظر أن تتقاطع فيها دينامية الأوراش الكبرى مع صرامة الإطار التنظيمي، بما يفتح أمام بنوك المملكة آفاق أداء غير مسبوقة.
ويُفيد التقرير بأن الاقتصاد المغربي مقبل على مرحلة حاسمة، مع توقع نمو الناتج الداخلي الخام بمعدل يقارب 4 في المائة خلال السنة الجارية. ووفق تقرير “Moroccan Banking Outlook 2026: Economic Growth Fuels Strong Performance”، فإن هذه الدينامية لا تعكس انتعاشًا ظرفيًا، وإنما تُجسّد ثمرة استراتيجية استثمارية واسعة النطاق.
وتشكل الاستعدادات لتنظيم كأس العالم 2030، وتوسيع شبكات النقل، والاستثمارات الاستراتيجية في قطاعات الطاقة والصحة، أبرز محركات هذا التحول.
وبالنسبة للبنوك الوطنية، يمثل هذا السياق فرصة كبرى لتمويل المشاريع، خاصة عبر الشراكات الجديدة بين القطاعين العام والخاص، التي من شأنها تعزيز الطلب على القروض الموجهة للاستثمار.
ويرتقب التقرير أن تترافق هذه الدينامية الاقتصادية مع مناخ نقدي واجتماعي داعم. فخفض أسعار الفائدة، إلى جانب إصلاحات حكومية تحفيزية، يُتوقع أن يدفع بنمو القروض إلى وتيرة تتراوح بين 3,5 و4 في المائة خلال سنة 2026.
ويُعزى هذا النمو أساسًا إلى القروض الممنوحة للمقاولات، في حين تظل قروض الاستهلاك عامل دعم إضافي. كما أن التحكم في التضخم والزيادات في الأجور ساهما في تعزيز الدخل المتاح للأسر، بما يدعم استهلاكًا متوازنًا ينعكس إيجابًا على متانة الميزانيات البنكية.
ويستند القطاع أيضًا إلى قاعدة ودائع مستقرة، تشكل تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج أكثر من 16 في المائة منها.
وعلى مستوى تدبير المخاطر، يؤكد تقرير S&P Global تحسن مؤشرات جودة الأصول، مع تسجيل اتجاه تدريجي نحو الاستقرار.
ويساهم تحسن الظروف الاقتصادية العامة وتعافي القيم العقارية في توقع تراجع مستمر في نسبة القروض المتعثرة، التي يُنتظر أن تستقر في حدود 8,5 في المائة سنة 2026، مقابل نحو 9 في المائة خلال السنة السابقة. وينعكس هذا التطور في انخفاض ملموس لخسائر القروض، ما يعكس تحسنًا عامًا في صحة المحافظ البنكية.
وفي هذا السياق، تعمل السلطات النقدية على إحداث سوق ثانوية للقروض المتعثرة، من خلال مشروع تشريعي يُرتقب أن يحرر رساميل مهمة ويعزز قدرة البنوك على الإقراض، رغم الحاجة إلى تهيئة الإطار القضائي لإنجاح هذا الورش.
أما من حيث الربحية، فيسجل التقرير قدرة لافتة للقطاع البنكي على الصمود أمام تحولات السوق المالية.
فقد نجحت البنوك في تنويع مصادر دخلها لتعويض تراجع أرباح أنشطة التداول بعد النتائج الاستثنائية المحققة في السنوات الماضية.
وتُظهر معطيات الوكالة أن التحكم في التكاليف وتحسين النجاعة التشغيلية سيسمحان بالحفاظ على هوامش ربح مستقرة. وفي هذا الإطار، ارتفع العائد على الأموال الذاتية لأكبر عشر بنوك في المملكة إلى 13,1 في المائة، مقارنة بـ11 في المائة سنة 2024.
غير أن التقرير يشير في المقابل إلى أن انكشاف المجموعات البنكية الكبرى على بلدان إفريقيا جنوب الصحراء، حيث تحتفظ بحوالي 25 في المائة من أصولها، يظل عنصر يقظة.
فرغم ربحية هذه الفروع، فإنها تحمل مخاطر أعلى مقارنة بالسوق الداخلية، مع توقع تحسن الأوضاع الاقتصادية بالقارة خلال الفترة المقبلة.
وفي جانب التنظيم، يبرز التقرير أن الإطار الرقابي المغربي يواصل تقاربه مع أكثر المعايير الدولية صرامة، في أفق بلوغ انسجام كامل بحلول سنة 2027.
ومنذ نهاية 2025، باتت البنوك ذات الأهمية النظامية خاضعة لمتطلبات معززة، من بينها رفع نسبة الأموال الذاتية من الفئة الأولى إلى 11 في المائة.
ورغم أن هذا التشديد قد يدفع بعض المؤسسات إلى ضبط سياسات توزيع الأرباح، فإنه يعزز قدرة النظام البنكي على مواجهة الصدمات الخارجية، ويقوي مصداقيته لدى المستثمرين الدوليين، ما يرسخ موقع المغرب كوجهة مالية مرجعية.
ويخلص تقرير S&P Global إلى أن القطاع البنكي المغربي يشهد تحولا نوعيًا في حجمه ودوره.
فرغم استمرار بعض التحديات المرتبطة بتدبير القروض القديمة ومخاطر التوسع الإفريقي، فإن متانة الميزانيات، والتقدم في ملاءمة المعايير الدولية، يضعان البنوك في موقع متقدم لمواكبة التحول الهيكلي الذي تعرفه المملكة.
ومع اقتراب أفق 2030، لم يعد القطاع البنكي مجرد متابع لمسار النمو، بل أصبح أحد أعمدته الأساسية وضامنًا لاستدامة الطموحات الوطنية.





