بعد الانخفاض الطفيف الذي شهدته أسعار المحروقات خلال شهر يناير، عادت أسعار الوقود في محطات التوزيع بالمغرب إلى الارتفاع من جديد مع بداية فبراير، في تطور أربك مستعملي الطرق وأعاد إلى الواجهة النقاش حول آليات تسعير المحروقات، خاصة في سياق دولي يتسم بتراجع واضح في أسعار النفط.
وخلال الأيام الأخيرة، سجّلت أسعار الغازوال والبنزين زيادات متفاوتة، حيث ارتفع سعر الغازوال بما يصل إلى 35 سنتيماً للتر الواحد، بينما زاد سعر البنزين بنحو 11 سنتيماً.
ووفق المعطيات المسجلة لدى كبريات شركات التوزيع، جرى تسويق الغازوال بحوالي 10,30 دراهم للتر الواحد مقابل 9,95 دراهم قبل شهر، متجاوزاً من جديد العتبة الرمزية لـ10 دراهم، في حين بلغ سعر البنزين 11,99 درهماً، مسجلاً ارتفاعاً مماثلاً.
هذا المنحى التصاعدي يأتي في وقت تعرف فيه الأسواق الدولية تصحيحاً حاداً في أسعار النفط، إذ تراجعت الأسعار بشكل ملحوظ مقارنة بالأشهر الماضية، ما دفع فاعلين ومواطنين إلى التساؤل حول أسباب عدم انعكاس هذا التراجع بشكل مباشر على الأسعار داخل السوق الوطنية، وسط اتهامات متجددة بوجود اختلالات في آليات تمرير الكلفة.
وفي هذا السياق، يؤكد آخر تقرير صادر عن مجلس المنافسة، والمتعلق بتتبع نشاط تسع شركات لتوزيع المحروقات، أن انخفاض التكاليف الدولية وتكاليف الشراء لا يُنقل إلا جزئياً إلى المستهلك النهائي، خصوصاً في محطات التسيير الحر.
ويُظهر التقرير، بالنسبة للغازوال، أن كلفة الشراء انخفضت بما يقارب 0,98 درهم للتر، في حين لم يتراجع سعر التفويت سوى بـ0,47 درهم، ما يعني أن فارقاً يقارب 0,51 درهم لم يُمرر إلى السعر النهائي. أما على مستوى الأسعار المسجلة في بعض المحطات، فيبلغ سعر الغازوال نحو 11,40 درهماً للتر، والبنزين الخالي من الرصاص حوالي 13,78 درهماً.
ويصف الخبير في شؤون الطاقة أمين بنونة الوضع بـ«الدقيق»، مشيراً إلى أن غالبية المستهلكين يشعرون بأن زيادات الأسعار تُطبق بسرعة أكبر بكثير من التخفيضات.
كما يلاحظ أن تحسن الأسعار الدولية لا ينعكس فعلياً إلا ببطء شديد، بينما تُمرر الزيادات بشكل شبه فوري.
ويضيف أن هذا الوضع سمح للمستوردين والموزعين بالاستفادة من تراجع أسعار النفط، خاصة في ظل تقلص سعر خام برنت، الذي استقر خلال الأيام الأخيرة في حدود 66,5 دولاراً للبرميل.
وتكشف المعطيات نفسها أن الهوامش الإجمالية لشركات التوزيع تضاعفت تقريباً خلال أربع سنوات، إذ انتقلت من حوالي 1,30 درهم للتر في منتصف 2021 إلى نحو 2,60 درهم مع نهاية 2025، ما يعمق الفجوة بين الكلفة الحقيقية والسعر المؤدى من طرف المستهلك.
وقد انتقل هذا النقاش إلى داخل البرلمان، حيث حذر نواب من ضعف عقلنة الهوامش، ومن انعكاسات هذه الممارسات على القدرة الشرائية وعلى مسار الانتقال الطاقي.
ووفق تقديرات برلمانية، فإن أسعار المحروقات في المغرب تُعد من بين الأعلى في العالم العربي، مع فارق يفوق 1,5 درهم للتر الواحد من الغازوال، ونحو 3 دراهم بالنسبة للبنزين، مقارنة بالسعر الحقيقي للمنتج.
على الصعيد الدولي، تعكس أسعار المحروقات حالة من التقلب المستمر، نتيجة تداخل عوامل اقتصادية وجيوسياسية، من بينها قرارات الإنتاج الصادرة عن تحالف «أوبك+»، وتباطؤ الطلب في بعض الاقتصادات الكبرى، خاصة في الصين وعدد من الدول المتقدمة. ورغم هذه العوامل، فإن الاتجاه العام منذ سنتي 2024 و2025 يميل إلى الانخفاض، بعدما كانت أسعار خام برنت تتجاوز في كثير من الأحيان 80 دولاراً للبرميل خلال السنة الماضية.
وتشير التوقعات إلى أن متوسط سعر النفط خلال سنة 2026 قد يتراوح ما بين 59 و60 دولاراً للبرميل، أي أقل من متوسط 2025 الذي قُدّر بنحو 64 دولاراً، وأقل بكثير من مستويات 2024. غير أن هذا التراجع لا ينعكس بنفس الوتيرة على أسعار المحروقات النهائية، سواء في المغرب أو في عدد من الدول الأخرى، بسبب كلفة التكرير والنقل والضرائب، إضافة إلى تأثير الهوامش التجارية.
ويخلص تقرير مجلس المنافسة إلى أن الانفصال بين تطور الأسعار الدولية وتلك المعتمدة في محطات الوقود ما يزال قائماً، حيث ظلت الهوامش مرتفعة رغم الانخفاض الحاد في كلفة التوريد.
وتُظهر البيانات أن متوسط الهوامش الفصلية بلغ حوالي 1,17 درهم للتر بالنسبة للغازوال و1,83 درهم للبنزين، وهي مستويات يعتبرها التقرير صعبة التبرير في ظل السياق الحالي، ما يعيد طرح سؤال الشفافية وحماية المستهلك إلى واجهة النقاش العمومي.






