المعادن الحرجة تعيد رسم خرائط القوة الاقتصادية في عالم الانتقال الطاقي

في خضم التحولات العميقة التي يعرفها الاقتصاد العالمي، برزت المعادن الحرجة كعنصر محوري في إعادة تشكيل المنظومات الصناعية والطاقية.

فالتوسع المتسارع في الطاقات المتجددة، وصناعة البطاريات، والسيارات الكهربائية، جعل من هذه الموارد أساسًا لا غنى عنه في الاقتصاد القائم على الكهرباء والتخزين الطاقي، وهو ما أدى إلى تصاعد غير مسبوق في الطلب على معادن مثل الليثيوم والنحاس وغيرها من المواد المرتبطة بسلاسل إنتاج البطاريات.

وتكشف المعطيات المتداولة أن هذا الارتفاع في الطلب يعكس تحولًا بنيويًا يتجاوز منطق الدورات الاقتصادية الظرفية، ليؤشر على إعادة ترتيب عميقة لسلاسل القيمة العالمية.

ورغم تسجيل زيادات ملحوظة في الإنتاج خلال السنوات الأخيرة، وما نتج عنها من تراجع مؤقت في أسعار بعض المعادن، فإن هذه الوضعية لا تعكس استقرارًا حقيقيًا، بقدر ما تخفي اختلالات هيكلية داخل منظومة الإمداد الدولية.

وتتمثل أبرز مظاهر هذه الاختلالات في التركيز الجغرافي والتقني الشديد، خاصة في مراحل التكرير والمعالجة الكيميائية وإعادة التدوير، حيث تظل هذه الحلقات محصورة في عدد محدود من الدول.

هذا الواقع يجعل السوق العالمية عرضة لصدمات مفاجئة، إذ إن أي اضطراب في واحدة من هذه النقاط الحساسة قد يؤدي إلى نقص حاد في العرض وارتفاع سريع في كلفة التقنيات النظيفة، مع ما يترتب عن ذلك من تأثير مباشر على تنافسية الصناعات الناشئة.

وتحذر التقديرات من أن أمن التزود بالمعادن الحرجة ما يزال هشًا، في ظل استمرار المخاطر الجيوسياسية والاقتصادية التي تحيط بسلاسل التوريد. كما أن التوجه نحو تطوير أجيال جديدة من البطاريات لا يلغي الاعتماد على المعادن، بل ينقله إلى مواد أخرى، ما يعيد إنتاج الإشكال نفسه بصيغ مختلفة، ويؤكد أن الرهان الحقيقي يتمثل في التحكم في حلقات التحويل الصناعي والتكنولوجي، وليس الاستخراج وحده.

وتشير التجارب الدولية إلى محدودية قدرة آليات السوق على ضمان توازن مستدام بين العرض والطلب، ما يدفع العديد من الدول إلى تبني سياسات صناعية واستثمارية نشطة.

وتشمل هذه المقاربات تعزيز الاستثمار في التكرير وإعادة التدوير، وتأمين الطلب طويل الأمد، وتطوير معايير صناعية وبيئية صارمة، بما يسمح بتقليص التبعية الخارجية ورفع مستوى السيادة الصناعية.

ويبرز من خلال هذا السياق أن المعادن الحرجة لم تعد موردًا اقتصاديًا فحسب، بل تحولت إلى عنصر أساسي في معادلات الأمن الاقتصادي والجيوسياسي.

فالدول التي ستنجح في المرحلة المقبلة هي تلك القادرة على بناء منظومات متكاملة تشمل الاستخراج، والتحويل، والتصنيع، والتدوير، مع قدرة عالية على استباق المخاطر والتكيف مع تقلبات الأسواق العالمية، في عالم يتجه بسرعة نحو إعادة توزيع موازين القوة عبر بوابة الطاقة والمعادن.