إسبانيا تخرج عن الإجماع الأوروبي وتفتح الباب الكبير للمهاجرين

فاجأت إسبانيا محيطها الأوروبي بقرار غير مسبوق قلب معادلة الهجرة رأسا على عقب، حين اختارت السير عكس التيار السائد في القارة، وفتحت الباب أمام تسوية قانونية واسعة النطاق لفائدة مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، وهي خطوة تحمل أبعادا سياسية واقتصادية وإنسانية عميقة، وتضع مدريد في قلب جدل أوروبي محتدم حول معنى الأمن والهجرة والاندماج، كما تعيد طرح أسئلة حارقة داخل المجتمع المغربي حول مستقبل الهجرة، وحدود الأمل، وتوازنات العلاقة بين الضفة الشمالية والجنوبية للمتوسط.

وأعلنت إسبانيا عن إطلاق عملية تسوية قانونية واسعة النطاق لفائدة المهاجرين غير النظاميين، قد تشمل ما يصل إلى 500 ألف شخص، في توجه مغاير للسياسات المتشددة التي باتت تطغى على المشهد الأوروبي في قضايا الهجرة.

وتندرج هذه الخطوة ضمن مقاربة تعتمد بعدًا عمليًا وإنسانيًا في تدبير ملف الهجرة، باعتبار أن قطاعات واسعة من الاقتصاد الإسباني تعتمد فعليًا على يد عاملة مهاجرة، سواء في الفلاحة أو البناء أو الخدمات. وتقوم هذه التسوية على آلية قانونية تتيح للحكومة التحرك بسرعة عبر مرسوم ملكي، دون المرور بالمسطرة التشريعية البرلمانية، وهو إجراء منصوص عليه في القانون الإسباني ويُستخدم في الحالات ذات الطابع الاستعجالي.

وبحسب المعطيات المتداولة، فإن الاستفادة من هذا الإجراء ستخضع لشروط محددة، من بينها إثبات التواجد فوق التراب الإسباني قبل 31 دجنبر 2025، والتوفر على دلائل تثبت الإقامة لفترة دنيا، إضافة إلى شروط مرتبطة بالسجل الجنائي. ويُنتظر أن تلعب الوثائق الإدارية، وشهادات الجمعيات، وإثباتات العمل أو التمدرس والعلاج، دورًا حاسمًا في قبول الملفات، في حين قد يواجه الأشخاص الذين عاشوا في وضعية “غير مرئية” صعوبات أكبر في الولوج إلى هذا المسار.

وبالنسبة للجالية المغربية، التي تُعد من بين الأكبر عددًا في إسبانيا، فإن تأثير هذه الخطوة يُتوقع أن يكون متفاوتًا. فجزء مهم من المغاربة يوجد أصلًا في وضعية قانونية، غير أن الأسر التي ما تزال تعيش خارج الإطار النظامي قد تستفيد من هذه التسوية على مستويات متعددة، تشمل الاستقرار الإداري، وتحسين شروط العيش، وضمان استمرارية التمدرس للأطفال، إضافة إلى تسهيل الولوج إلى الخدمات العمومية وفتح آفاق محتملة للتجمع العائلي.

كما يُنتظر أن تساهم هذه الخطوة في الحد من مظاهر الاستغلال المهني، التي ترتبط غالبًا بالهشاشة القانونية، إذ إن تسوية الوضعية تمنح العمال قدرة أكبر على المطالبة بحقوقهم، وتُضعف منسوب الضغط والابتزاز المرتبط بالعمل غير المصرح به. ويُنظر إلى هذا البعد باعتباره أحد الأهداف المركزية للتسوية، انسجامًا مع المعايير الدولية التي تشجع على حماية حقوق العمال المهاجرين.

ومن زاوية العلاقات الثنائية، لا يُتوقع أن تُحدث هذه الخطوة توترًا مع المغرب، باعتبارها تندرج ضمن السياسة الداخلية الإسبانية، ولا تستهدف تشجيع هجرة جديدة، بل معالجة أوضاع قائمة. كما تشير التقديرات إلى أن قرارات الهجرة تظل مرتبطة أساسًا بعوامل اقتصادية وشبكات اجتماعية، أكثر من ارتباطها بإجراءات التسوية الظرفية.

ومع اقتراب موعد فتح باب إيداع الطلبات، يُنتظر أن تنخرط الجمعيات المدنية في لعب دور محوري لمواكبة المعنيين، سواء عبر المساعدة في إعداد الملفات أو تتبع مسارها الإداري، مع التنبيه إلى أي عراقيل محتملة في التطبيق. وفي ظل حجم العملية وتعقيدها، تبقى فعالية هذه التسوية رهينة بمدى وضوح المساطر وسلاسة تنفيذها على أرض الواقع.