اسبانيا تنهي الغموض وتختار المغرب.. رقم صعب وشريك استراتيجي لا رجعة فيه

في السياق الراهن للعلاقات الدولية، تكتسي التصريحات الصادرة عن وزير الشؤون الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس بشأن العلاقات بين المغرب وإسبانيا أهمية خاصة، ليس فقط لما تحمله من إشادة سياسية، ولكن لما تعكسه من تحوّل بنيوي في إدراك الشريك الإسباني لمكانة المغرب ودوره الإقليمي والاستراتيجي.

وصف العلاقات الثنائية بأنها “الأفضل على الإطلاق” وضمن “أقوى العلاقات الثنائية على المستوى الدولي” يندرج، من منظور أكاديمي، في إطار الاعتراف المتزايد بمركزيّة المغرب داخل الفضاء المتوسطي والأوروبي. وهو توصيف لا يمكن فصله عن المسار الذي رسمته السياسة الخارجية للمملكة، بقيادة الملك محمد السادس، والقائم على الوضوح في المواقف، وربط الشراكات بالمسؤولية والالتزام المتبادل، وتكريس مبدأ أن المصالح الاستراتيجية لا تُبنى على الغموض أو الازدواجية.

لقد استطاع المغرب، خلال السنوات الأخيرة، أن يرسّخ موقعه كشريك استراتيجي موثوق بالنسبة لإسبانيا، وهو ما تؤكده المعطيات الاقتصادية، وفي مقدمتها بلوغ حجم المبادلات التجارية بين البلدين حوالي 21 مليار يورو خلال سنة 2025. هذا الرقم يبرز مستوى متقدمًا من الاعتماد المتبادل، ويؤشر على انتقال العلاقات الاقتصادية إلى مرحلة النضج البنيوي، حيث تتحول المصالح المشتركة إلى عنصر استقرار سياسي دائم.

وعلى المستوى الأمني، فإن التنويه الإسباني بالتعاون القائم مع المغرب في مجالي الهجرة والأمن يعكس إدراكًا واضحًا للدور المحوري الذي تضطلع به المملكة في ضمان استقرار الضفة الغربية للمتوسط. فالمغرب، في هذا الإطار، لم يعد يُنظر إليه فقط كجار جغرافي، بل كفاعل أساسي في مقاربة جماعية للأمن الإقليمي، قائمة على التنسيق الميداني والمسؤولية المشتركة في مواجهة التحديات العابرة للحدود.

وتكتسب هذه المواقف الإسبانية دلالة إضافية بالنظر إلى توقيتها، إذ جاءت في سياق دبلوماسي حساس تزامن مع مشاورات متعددة الأطراف حول قضية الصحراء المغربية.

وفي هذا الإطار، يبرز ثبات الخطاب الإسباني الرسمي في تأكيد متانة الشراكة مع المغرب، بما يعكس اقتناعًا متزايدًا بأن الاستقرار الإقليمي، وأمن المتوسط الغربي، يمران عبر تعزيز التعاون مع الرباط، في إطار احترام الوحدة الترابية للمملكة ومصالحها العليا.

ويمكن القول إن المغرب نجح في فرض نموذج دبلوماسي متوازن يجمع بين الواقعية السياسية والاستشراف الاستراتيجي. هذا النموذج مكّن المملكة من تحويل موقعها الجغرافي إلى رصيد دبلوماسي، ومن بناء شراكات قائمة على الندية والاحترام المتبادل، مع الحفاظ على ثوابت السياسة الخارجية الوطنية، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية.

إن الإشادة الإسبانية الأخيرة مسارًا استراتيجيًا متكاملًا يعيد رسم ملامح الشراكة المغربية-الإسبانية. وهو مسار يؤكد، مرة أخرى، أن الرؤية الملكية للسياسة الخارجية مكنت المغرب من ترسيخ مكانته كقوة استقرار إقليمي وشريك استراتيجي محوري داخل المعادلات المتوسطية والأوروبية، في انسجام تام مع مصالحه الوطنية العليا.