أشّر حسن بوبريك، المدير العام للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، على إطلاق طلب العروض الدولي رقم 04/2026 المتعلق بتوفير خدمات شبه طبية لفائدة المصحات التابعة للمؤسسة في عدد من المدن المغربية، بميزانية تقديرية تتجاوز 40.8 مليون درهم، أي ما يفوق أربعة ملايير سنتيم.
ووفق الوثائق الرسمية التي يتوفر عليها موقع “هاشتاغ”، فإن هذه الصفقة تهم التعاقد مع شركة خاصة لتوفير موارد بشرية شبه طبية داخل مصحات الصندوق لمدة اثني عشر شهراً، في إطار نموذج يعتمد على الاستعانة بالمناولة لتغطية الخصاص في بعض التخصصات الصحية المساندة داخل هذه المؤسسات.
المعطيات الواردة في ملف الصفقة تكشف أن الكلفة التقديرية للعملية حُددت في البداية في حدود 40.864.943,28 درهم، قبل أن يصدر إعلان تعديلي لاحق يرفع هذا المبلغ إلى 40.868.337,60 درهم.
ورغم أن الفارق المالي يبدو محدوداً، إلا أن تعديل الكلفة التقديرية بعد نشر الإعلان الأولي يثير تساؤلات حول دوافع هذه المراجعة، لاسيما وأن الأمر يتعلق بخدمات بشرية أساسية داخل مصحات مؤسسة عمومية يفترض أن تشكل إحدى ركائز منظومة الحماية الاجتماعية في المغرب.
وتشير الوثائق التقنية المضمنة في دفتر التحملات، والتي يتوفر عليها موقع “هاشتاغ” إلى أن الصفقة تقوم عمليا على توفير 540 إطارا شبه طبي للعمل داخل المصحات التابعة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، موزعين على عدة تخصصات صحية وإدارية.
وتشمل العملية 278 ممرضا متعدد الاختصاصات و106 ممرضين مساعدين، إضافة إلى 42 تقنيا في الأشعة و26 تقنيا في المختبرات، فضلا عن 37 ممرض تخدير و27 قابلة و24 كاتبة طبية مكلفة بالمهام الإدارية داخل هذه المصحات.
وبحسب الجداول المالية المدرجة في ملف الصفقة، فإن الكلفة الإجمالية للعملية تعتمد على احتساب الراتب الشهري لكل فئة من العاملين مضروبا في عدد الأطر المطلوبة ثم في مدة العقد المحددة في اثني عشر شهراً.
ووفق هذه المعطيات التي يتوفر عليها موقع “هاشتاغ”، حُدد الراتب الشهري للممرض متعدد الاختصاصات في حدود 7800 درهم، وهو ما يرفع الكلفة السنوية لهذه الفئة وحدها إلى ما يقارب 26 مليون درهم بالنظر إلى العدد المطلوب الذي يبلغ 278 ممرضاً.
أما فئة الممرضين المساعدين، التي يبلغ عددها 106، فقد حُدد الراتب الشهري لها في حدود 5000 درهم، ما يجعل الكلفة السنوية لهذه الفئة تقارب 6.3 ملايين درهم.
وفي ما يتعلق بتقنيي المختبرات، الذين يبلغ عددهم 26، فقد حُدد الراتب الشهري في حدود 7500 درهم، لترتفع الكلفة السنوية لهذه الفئة إلى حوالي 2.34 مليون درهم.
الوضع نفسه ينطبق على تقنيي الأشعة، الذين يبلغ عددهم 42، حيث حُدد الراتب الشهري لكل واحد منهم في حدود 7500 درهم، ما يرفع الكلفة السنوية لهذه الفئة إلى نحو 3.78 ملايين درهم.
وتشمل الصفقة كذلك 37 ممرض تخدير براتب شهري يقارب 8500 درهم، وهو ما يجعل الكلفة السنوية لهذه الفئة في حدود 3.77 ملايين درهم.
كما تتضمن العملية توفير 27 قابلة براتب شهري يقارب 7500 درهم للوحدة، بكلفة سنوية تناهز 2.43 مليون درهم، إضافة إلى 24 كاتبة طبية براتب شهري يقارب 4500 درهم، ما يعني كلفة سنوية في حدود 1.29 مليون درهم.
وعند جمع هذه الأرقام وفق المعادلة المعتمدة في ملف الصفقة، أي عدد الموارد البشرية مضروباً في الراتب الشهري ثم في مدة العقد المحددة في سنة واحدة، تصل الكلفة الإجمالية للعملية إلى ما يقارب 40.8 مليون درهم، وهو الرقم الذي اعتمده الصندوق كميزانية تقديرية لهذه الصفقة.
وتشير الوثائق التي يتوفر عليها موقع “هاشتاغ” إلى أن هذه الموارد البشرية ستعمل داخل عدد من المصحات التابعة للصندوق في مدن الدار البيضاء وأكادير وطنجة ومراكش والقنيطرة ووجدة والجديدة وسطات، مع اعتماد نظام عمل يقوم على ثلاث فرق يومية لضمان استمرارية الخدمات الصحية على مدار الساعة داخل هذه المؤسسات.
وتفتح هذه المعطيات الباب أمام أسئلة أكبر تتجاوز تفاصيل الصفقة نفسها لتلامس جوهر الطريقة التي تُدار بها الموارد البشرية الصحية داخل مؤسسة عمومية بحجم الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، وهي مؤسسة يفترض أن تقف في قلب ورش الحماية الاجتماعية الذي ترفعه الدولة كأحد أكبر الإصلاحات الاجتماعية في البلاد، حيث عندما تُفوَّض مهام شبه طبية أساسية إلى شركات مناولة بميزانيات تتجاوز أربعة ملايير سنتيم، فإن النقاش يتحول إلى سؤال سياسي حول نموذج تدبير المرفق الصحي العمومي وحدود الاعتماد المتزايد على القطاع الخاص في وظائف يفترض أن تظل جزءا من البنية الأساسية للخدمة الصحية.
وفي ظل توسع منظومة الحماية الاجتماعية وارتفاع كلفة الخدمات الصحية، تبدو مثل هذه الصفقات مرشحة لأن تعيد فتح النقاش حول أولويات الإنفاق داخل المؤسسات العمومية، وحول ما إذا كان الحل يكمن في التوظيف المباشر وتعزيز الموارد البشرية داخل المرفق العمومي، أم في استمرار منطق المناولة الذي ينقل جزءاً متزايداً من وظائف الصحة إلى شركات خاصة.
وتبقى هذه الصفقة مثالاً جديداً على التوتر القائم بين منطق التدبير المالي ومنطق الخدمة العمومية، في قطاع حساس لا يتعلق بالأرقام فقط، بل بثقة المواطنين في مؤسسات يفترض أن تحمي حقهم في العلاج والرعاية الصحية.