لا تبدأ انتصارات المنتخب المغربي مع صافرة الحكم، ولا تُصنع كلها فوق العشب. خلف الأهداف والفرحة الجماهيرية تعمل شبكة دقيقة من الأطر التقنية والطبية والإدارية، تتحرك يوميا بين شاشات التحليل، وقاعات العلاج، ومطاعم المعسكرات، ومكاتب السفر والإقامة، حتى يصل اللاعب إلى موعد المباراة بكامل تركيزه وجاهزيته.
هذه المنظومة تمنح «أسود الأطلس» توازنا يتجاوز حدود الحصة التدريبية، إذ يتولى كل فرد مهمة محددة داخل سلسلة مترابطة؛ من قراءة الخصم وصياغة الحلول التكتيكية، إلى ضبط التغذية والاستشفاء، وتأمين أدق الترتيبات اللوجستيكية، ومرافقة اللاعبين نفسيا وإنسانيا خلال فترات الضغط.
في قلب الجهاز الفني يبرز البرتغالي جواو ساكرامنتو، المساعد الأول للمدرب محمد وهبي، بوصفه أحد العقول التي تدير الجانب التكتيكي للمنتخب. ورغم بلوغه الثامنة والثلاثين، يحمل تجربة أوروبية واسعة اكتسبها إلى جانب جوزيه مورينيو في توتنهام وروما، وكريستوف غالتييه في ليل وباريس سان جيرمان، قبل توليه قيادة لاسك لينز النمساوي مدربا أول.
يقضي ساكرامنتو ساعات طويلة أمام تسجيلات المباريات، يتتبع تحركات المنافسين، ويختبر سيناريوهات اللعب، ويرصد أساليب الضغط وبناء الهجمات والثغرات في الكرات الثابتة. ولا تبقى خلاصاته حبيسة الشاشات، إذ يحولها إلى تمارين عملية داخل الملعب، تضع اللاعبين أمام وضعيات قريبة من تفاصيل المواجهة المنتظرة.
قدرته على التواصل بعدة لغات تمنحه مساحة واسعة داخل المجموعة. فهو يخاطب بعض العناصر بالبرتغالية، ويتواصل مع آخرين بالفرنسية أو الإنجليزية، ما يساعده على تقريب أفكاره وصناعة علاقة مباشرة مع محترفين قادمين من مدارس كروية متعددة. وخلال مونديال 2026، برز أثر عمله في مباريات قوية، من بينها مواجهة هولندا، حين ظهر المنتخب مستعدا للتعامل مع الضغط العالي وفرض إيقاعه في فترات مؤثرة.
إلى جانبه، يؤدي يوسف حجي وظيفة تتجاوز التعليمات الفنية. الدولي المغربي السابق، صاحب 64 مباراة و16 هدفا بين 2003 و2012، يحمل خبرة قميص المنتخب بكل ما يرافقه من ضغط وانتظار جماهيري. لذلك يشكل حلقة وصل بين الطاقم واللاعبين، ويمنح العناصر الشابة سندا نابعا من تجربة عاشها بنفسه داخل الملاعب.
يتحرك حجي وسط الحصص التدريبية بقرب كبير من اللاعبين، يستمع إليهم، وينقل إليهم خبرته في التعامل مع المباريات الكبرى واللحظات المعقدة. كما يواصل متابعة منافسات البطولة الوطنية ورصد العناصر المحلية، ويقدم تقارير عن أسماء من قبيل ربيع حريمات وأحمد رضا التكناوتي، بما يدعم الربط بين المحترفين في أوروبا والمواهب الموجودة داخل المغرب.
وخلال كأس العالم 2026، ظل حجي حاضرا في مختلف لحظات المجموعة، من التحفيز قبل المباريات إلى تهدئة الأجواء بين الشوطين ومشاركة اللاعبين فرحة الانتصارات. وجوده يمنح الطاقم نبرة مغربية قريبة من اللاعبين، ويحافظ على صلة قوية بين الأجيال داخل المنتخب.
بعيدا عن المستطيل الأخضر، تتحمل نزهة غضفة مسؤولية تنظيمية ثقيلة داخل بعثة «الأسود». أكثر من عشرين سنة من العمل جعلتها مرجعا في تدبير الرحلات والإقامة والتنقل وتنسيق الحاجيات اليومية، حتى صار حضورها جزءا ثابتا من حياة المنتخب خلال المعسكرات والبطولات.
تمر عبرها حجوزات الطيران، وتوزيع الغرف، وبرامج التنقل، والطلبات المرتبطة بكل لاعب. كما تتابع المواعيد وتفاصيل الإقامة وتتحرك بسرعة عند ظهور أي طارئ، سواء تعلق بتأخر رحلة أو تغيير فندق أو حاجة مستعجلة داخل البعثة. وفي مونديال 2026، لعبت دورا محوريا في احتواء المشكلات التنظيمية قبل تحولها إلى أزمات.
علاقتها باللاعبين تتجاوز التدبير الإداري، إذ تحظى بثقة كبيرة داخل المجموعة، وتوفر حضورا إنسانيا يمنح اللاعبين شعورا بالاستقرار وسط ضغط السفر والمنافسة. لهذا ارتبط اسمها داخل المنتخب بصورة «الأخت الكبرى» التي تسهر على راحة الجميع وتبقى قريبة منهم في لحظات الفرح والتوتر.
وفي الجانب الغذائي، يقود نبيل العياشي برنامجا دقيقا يهدف إلى الحفاظ على الطاقة وتسريع التعافي. منذ التحاقه بالمنتخبات الوطنية سنة 2016 بطلب من فوزي لقجع، أصبح مسؤولا عن وضع خطط غذائية تراعي مركز كل لاعب وحالته البدنية وتاريخه مع الإصابات وحجم الجهد الذي يبذله.
يتعامل العياشي مع كل عنصر وفق حاجاته الخاصة، فيحدد نسب البروتين والكربوهيدرات والسوائل والمكملات وفقا لبرنامج التدريب والمباريات. كما ينسق يوميا مع الطاقمين الطبي والبدني، ويراقب النوم والوزن ومؤشرات الإرهاق، ثم يعدل الوجبات وبرامج الاسترجاع حسب كثافة المنافسة والسفر.
أثر هذا العمل ظهر خلال مونديال 2026، حيث حافظ اللاعبون على مستويات مرتفعة من الطاقة رغم توالي المباريات والتنقل بين المدن. ويقوم تصور العياشي على اعتبار التغذية جزءا من التحضير الرياضي، ووسيلة مباشرة لدعم الجسد والذهن قبل النزول إلى الملعب.
أما غرفة تحليل الفيديو، فتضم موسى الحبشي وأيمن مكرود، الثنائي الذي يحول الأرقام والصور إلى معطيات قابلة للتطبيق. داخل هذه الغرفة تُفكك مباريات المنافسين لقطة بلقطة، وتُدرس تحركات الخطوط، وأنماط البناء، والضغط، والانتقال بين الدفاع والهجوم، والكرات الثابتة.
الحبشي، المولود سنة 1976 في الناظور والحامل للجنسيتين المغربية والبلجيكية، راكم مسارا أوروبيا مهما في تحليل الأداء. بدأ العمل مع أجاكس أمستردام في اكتشاف المواهب، ثم انتقل إلى لوكرين وأندرلخت، حيث جمع بين التدريب وتحليل الفيديو، قبل الانضمام إلى طاقم المنتخب البلجيكي خلال كأس العالم 2018 بقيادة روبرتو مارتينيز.
وفي مارس 2020، التحق الحبشي بالمنتخب المغربي، وواصل مهمته مع الأجهزة الفنية المتعاقبة، إلى أن أصبح عنصرا رئيسيا داخل منظومة وليد الركراكي ثم محمد وهبي. وتشمل مسؤولياته دراسة المنافسين، ومتابعة جاهزية اللاعبين المغاربة مع أنديتهم، وإعداد تقارير عن التحركات والتمركز والتحولات السريعة والكرات الثابتة.
خلال مونديال قطر 2022، سلطت وسائل إعلام بلجيكية الضوء على عمله قبل مواجهة المغرب وبلجيكا، في اعتراف بقيمة الدور الذي يؤديه خلف الكاميرات. وفي كأس العالم 2026، سافر إلى كانساس لمتابعة مباراة هولندا وتونس من المدرجات، وجمع معطيات ميدانية عن المنتخب الهولندي، شملت بناء اللعب والتحولات ونقاط القوة والثغرات القابلة للاستثمار.
إلى جانب خبرة الحبشي، يمثل أيمن مكرود وجها شابا داخل وحدة التحليل. يقضي ساعات طويلة في مراجعة المباريات، ويركز على مردودية اللاعبين والسلوك الجماعي والفردي للمنافس، ثم يضع تقارير يومية بين يدي محمد وهبي ومساعديه، لتتحول البيانات إلى اختيارات تكتيكية واضحة قبل صافرة البداية.
وفي الجانب البدني، يتولى الإسباني إسماعيل فيرنانديز قيادة إعداد اللاعبين منذ مارس 2026، عقب قدومه من فياريال. وقد اختاره محمد وهبي لدعم مشروعه بخبرة قادمة من الدوري الإسباني ومناهج حديثة في تطوير القوة والسرعة والتحمل والانفجار العضلي والمرونة.
يصمم فيرنانديز برامج فردية تراعي مركز اللاعب ووضعه البدني، ويشرف على مراحل التأهيل والاسترجاع عقب المباريات. كما يعتمد وسائل حديثة، من بينها العلاج بالتبريد، والتدليك الرياضي، وحمامات التباين، بهدف تقليص الإرهاق والحد من الإصابات وتجهيز العناصر للاستحقاقات المتقاربة.
ويعمل المعد البدني الإسباني بتنسيق مستمر مع الأطباء وخبراء التغذية ومحللي الأداء، لأن تنفيذ الخطة الفنية فوق الملعب يرتبط بجاهزية بدنية تسمح بالحفاظ على النسق طوال دقائق المواجهة. وقد ساعد هذا التنظيم خلال مونديال 2026 على تمكين المنتخب من مجاراة خصوم أوروبيين أقوياء والحفاظ على مردوده البدني في مباريات متتالية.
من ساكرامنتو وحجي إلى غضفة والعياشي والحبشي ومكرود وفيرنانديز، تتشكل خلف المنتخب المغربي شبكة عمل متكاملة، لكل عنصر فيها وظيفة دقيقة. الأضواء تلاحق اللاعبين والمدرب، بينما تتحرك هذه الأسماء في الظل لتأمين التحضير والراحة والمعلومة والجاهزية، وصناعة ظروف تسمح لـ«أسود الأطلس» بتحويل العمل اليومي إلى نتائج فوق الميدان.