من داخل مكتب وزير الطاقة والمعادن، وفي مرحلة كانت فيها المصالح الاقتصادية تتقاطع مع مواقع القرار الحكومي، جرت لقاءات ظلت بعيدة عن الأضواء لسنوات.
عزيز الرباح، الوزير الأسبق، عاد لينفض الغبار عن تلك المرحلة، كاشفا أن رئيس الحكومة عزيز أخنوش زاره مرارا لمناقشة قضايا مرتبطة بشركته، وأن مسؤولين تابعين للمجموعة الاقتصادية التي يملكها قصدوا الوزارة لمتابعة مصالح استثمارية في قطاع الطاقة.
وخلال استضافته في برنامج «صوت الحقيقة» على موقع «إعلام تيفي»، وُضع عزيز الرباح أمام سؤال مباشر بشأن ما كان يتردد داخل الوزارة حول زيارات عزيز أخنوش المتكررة لمكتبه الوزاري، وهو الذي كان يشغل في تلك الفترة منصب وزير الفلاحة والصيد البحري ورئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، وما إذا كانت تلك اللقاءات مرتبطة بأغراض تخص المجموعة المالكة لشركة «إفريقيا».
وبعد حديثه عن طريقة استقبال المستثمرين، أقر الوزير السابق للطاقة والمعادن بأن عزيز أخنوش حضر إلى مكتبه عدة مرات بشأن شركته، مضيفا أن مسؤولين عنها كانوا يتواصلون معه، على غرار باقي الشركات المستثمرة في القطاع.
وسعى عزيز الرباح إلى وضع تلك الزيارات ضمن مسار استقبال المستثمرين، موضحا أن ديوانه كان يشكل لجنة لدراسة مطالب الشركات ومحاولة معالجة الإشكالات التي تواجهها، قبل أن يتدخل شخصيا عند تعثر الحل.
ورغم هذا التفسير، حمل كلام عزيز الرباح مؤشرات قوية على حساسية وضع عزيز أخنوش، الذي كان يجلس إلى جانبه داخل الحكومة بصفته وزيرا، ويملك في الوقت ذاته مجموعة اقتصادية كبرى ذات مصالح مباشرة في قطاع تشرف عليه وزارة زميله الحكومي.
وعندما سأله منشط البرنامج عما إذا كان قد تعرض لضغوط من عزيز أخنوش لخدمة مصالح شركته، اختار عزيز الرباح جوابا سياسيا شديد الدلالة، مؤكدا أنه كان يخاطب أخنوش ومسؤولي مجموعته مباشرة، ويشدد أمامهم على احتكامه إلى تعليمات الملك محمد السادس والدستور والقانون، وهو جواب قد يحمل بين طياته رسائل ضمنية بشأن ضغوط محتملة مورست عليه لقضاء مصالح مرتبطة بالشركة خارج الضوابط القانونية، كما بدا أقرب إلى إعلان عن رسمه حدودا صارمة أمام نفوذ رجل أعمال قوي كان يجلس إلى جانبه داخل المجلس الحكومي، ويمتلك مصالح واسعة في سوق المحروقات والطاقة.
وتصاعد الغموض أكثر عندما تحدث الوزير الأسبق عن أسئلة برلمانية كانت تصدر من جهات متعددة بهدف الضغط عليه، من دون كشف أسماء الأطراف التي كانت تقف خلفها أو طبيعة المصالح المرتبطة بها، وهو ما يفتح سلسلة من التساؤلات حول الوسائل التي يجري توظيفها للتأثير في قرارات وزارة الطاقة، وحول المستفيدين من توجيه الضغط نحو الوزير المشرف على قطاع حيوي تتحرك داخله مصالح مالية بمليارات الدراهم.
وتدفع تصريحات عزيز الرباح يعلاقة السلطة التنفيذية برأس المال إلى دائرة المساءلة، لاسيما أن عزيز أخنوش كان يجمع بين موقعه الوزاري وثقله الاقتصادي داخل قطاع المحروقات، في وقت كانت فيه وزارة الطاقة تتولى إعداد القوانين والقرارات المنظمة للقطاع. وإقرار وزير سابق بتكرار زيارات زميله الحكومي لمناقشة قضايا مرتبطة بشركته يفتح أسئلة ثقيلة بشأن تدبير تضارب المصالح، والفاصل بين أخنوش المسؤول الحكومي وأخنوش رجل الأعمال.
لقد كان تصريح بهذا الثقل كافيا لتحريك الجهات المختصة، وكشف طبيعة الاجتماعات والطلبات التي نوقشت داخل مكتب وزير الطاقة، والقرارات التي أعقبتها، وما إذا كانت الشركات المعنية قد حظيت بامتياز أو معاملة خاصة. لكن أقوال عزيز الرباح مرت وسط صمت يثير الريبة، رغم أنها تحمل شهادة حية ومباشرة من داخل الحكومة بشأن تقاطع المصالح الاقتصادية مع دوائر القرار السياسي.