الخطاط ينجا ينهج سياسة الأرض المحروقة في وجه مؤسسات الدولة والأحزاب ويطلق بشمرگته الإلكترونية ولسان حاله يقول: أنا الداخلة والداخلة أنا ومن بعدي الطوفان

ما إن كشف موقع «هاشتاغ» الكواليس المحيطة بتحركات الخطاط ينجا رئيس مجلس جهة الداخلة وادي الذهب والمنسق الجهوي لحزب الاسقلال نحو حزب الأصالة والمعاصرة، حتى انفجرت على منصات التواصل حملة منظمة تقودها صفحات وحسابات وأقلام محسوبة على الرئيس، رافعة شعارا يختصر حجم التضخم السياسي الذي أصاب محيطه: «كلنا خطاطيون أينما حل وارتحل».

الحملة تجاوزت الدفاع عن رجل يواجه أزمة داخل حزبه، وتحولت إلى استعراض قوة يحمل رسائل تهديد واضحة لنزار بركة الأمين العام لحزب الاستقلال وقيادة «البام» ومؤسسات الدولة. لسانها يقول: ينجا الخطاط فوق الأحزاب، والمنتخبون يتحركون بأمره، وجهة الداخلة وادي الذهب تسير خلفه، ومن يرفض شروطه سيخسر الجهة بأكملها.

هكذا يجري تقديم ساكنة جهة الداخلة وادي الذهب كأنها ملكية انتخابية خاصة، والمنتخبون كأنهم جنود داخل كتيبة شخصية، والأحزاب كأنها عربات يركبها ينجا الخطاط ثم ينزل منها متى انتهت وظيفتها.

إنها سياسة الأرض المحروقة بصورتها الفجة: إما أن يمنح حزب الاستقلال ينجا الخطاط عضوية اللجنة التنفيذية والتزكيات والمقاعد التي يطلبها، وإما أن يحرق البيت فوق رؤوس مناضليه ويرحل نحو “الجرار” مصطحبا معه كل من ارتبط بالنفوذ والمصالح.

أما قيادة حزب الأصالة والمعاصرة، فالحملة تريد إخضاعها قبل وصول الرجل إليها. الرسالة واضحة: ينجا الخطاط لن يدخل عضوا تحت سلطة الحزب، وإنما يريد دخول «البام» بوصفه زعيما فوق التنظيم، يختار المرشحين، ويوزع التزكيات، ويفرض رجاله، ويطلب من القيادة أن تسلمه مفاتيح جهة الداخلة وادي الذهب مقابل انتقاله.

والرسالة الموجهة إلى مؤسسات الدولة أشد خطورة. حملة «كلنا خطاطيون» تحاول رسم ينجا الخطاط باعتباره حارس الاستقرار وصاحب القبضة التي تتحكم في الجهة، وكأن الجهة تتوقف حين يغضب، وتتحرك حين يأمر، وكأن الصحراء المغربية أصبحت ورقة شخصية يلوح بها رئيس مجلس جهوي كلما اقترب موسم توزيع الكراسي.

لسان حال ينجا الخطاط ومريديه يصرخ: أنا الداخلة والداخلة أنا وأنا بوابة الصحراء ومن أراد الاستقرار فليحم كرسيي ومن أراد أصوات الجهة فليدفع الثمن السياسي.

هذا خطاب ابتزاز سياسي مكتمل الأركان في مضمونه، حتى وإن جرى تغليفه بعبارات الوفاء والعطاء وخدمة الساكنة. فالهدف الظاهر هو رفع كلفة التخلي عن ينجا الخطاط وإقناع الدولة بأن الرجل يحمل خلفه جهة كاملة، وأن استبعاده من معادلة التزكيات قد يربك التوازنات.

الدولة المغربية لا تحتاج إلى وسيط يبيع لها استقرار الصحراء المغربية، ولا إلى منتخب يقدم نفسه ضامنا للوحدة الترابية. الصحراء قضية وطن ومؤسسات وملك وشعب، ولا يملك ينجا الخطاط أو سواه حق تحويلها إلى بطاقة ضغط داخل مفاوضات حزبية حول مقعد أو تزكية.

يسعى ينجا الخطاط إلى دفع قيادة حزب الاستقلال نحو طرده أو إعفائه، عوض تقديم استقالة صريحة، حتى يحافظ على رئاسة مجلس الجهة ويعبر نحو «البام» دون أداء الكلفة القانونية والسياسية لقراره. وإذا تأكد ذلك، فنحن أمام عملية هروب محسوبة بدقة، لا علاقة لها بخطاب الوفاء الذي يملأ به أنصاره الفضاء الرقمي.

أي وفاء هذا الذي يبدأ بالميزان وينتهي فوق الجرار؟ وأي إخلاص يتحدثون عنه ورئيس الجهة يستعد لمغادرة الحزب الذي منحه التزكية وحمله إلى الرئاسة؟ وأي زعامة تحتاج إلى جيش من الصفحات كي تقنع المواطنين بأنها موجودة؟

لقد كشفت الحملة أن الحزب داخل دائرة ينجا الخطاط بلا قيمة، والبرنامج بلا وزن، والمناضل بلا مكانة، والمرجعية بلا أثر. الموجود هو الزعيم والكرسي والتزكية وشبكة الولاءات التي تنتقل معه إلى الحزب القادر على تقديم العرض الأعلى.

حتى الآيات والأحاديث جرى سحبها إلى سوق التزكيات. نصوص دينية عن خدمة الناس وضعت بجانب تدوينات تشتم الخصوم وتصفهم بالأقزام والزبانية. وكأن مساعدة الأرملة والاستماع إلى سائق سيارة الأجرة صدقة شخصية يقدمها ينجا الخطاط من ماله، مع أن خدمة المواطنين واجب مرتبط بمنصب تموله ميزانيات عمومية.

كما أن الصفحات نفسها تهاجم حمدي ولد الرشيد عضو اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال ومنسقه في الأقاليم الجنوبية وتتهمه بصناعة البيادق وتقديم نفسه للدولة باعتباره مفتاح الصحراء المغربية، ثم تستنسخ مدرسته بحذافيرها وتضع ينجا الخطاط في الموقع ذاته.

يهاجمون آل الرشيد لأنهم احتكروا الحديث باسم العيون، ثم يريدون منح ينجا الخطاط حق الحديث باسم الداخلة. يرفضون سطوة الأول، ثم يبنون سطوة الثاني. يتهمون خصمهم بصناعة الأتباع، ثم يعلنون أمام الجميع أنهم أتباع ينتقلون مع زعيمهم حيث انتقل.

تغير الاسم وبقيت الوصفة: تضخيم الزعيم، إخضاع الحزب، تعبئة الصفحات الرقمية، تخوين الخصوم، ثم رفع ورقة الصحراء المغربية أمام الدولة لحماية النفوذ والكراسي.

ينجا الخطاط الذي كان جزءا من منظومة آل الرشيد يحاول اليوم ارتداء ثوب الزعيم المستقل، لكنه يحمل المدرسة السياسية ذاتها: أنا صاحب القبيلة وأنا مالك الأصوات وأنا ضامن الاستقرار وأنا الطريق الوحيد نحو الجهة.

إن جهة الداخلة وادي الذهب كانت موجودة قبل ينجا الخطاط، وحزب الاستقلال كان حاضرا قبل وصوله. كانت للحزب تنظيماته ومناضلوه وشبيبته ونساؤه ونقاباته وجمعياته. الرجل دخل بيتا سياسيا قائما، استفاد من رمزه وآلته الانتخابية، ثم يريد اليوم إحراقه ومحو تاريخ رجاله وتقديم نفسه مؤسسا لكل شيء.

حتى من جاءوا به إلى الحزب كانوا أول ضحايا تمرده. دخل محمولا على أكتافهم، ثم أبعد بعضهم، وحاصر آخرين، وصنع حوله دائرة تقوم على الولاء للشخص. واليوم يستعد لتكرار العملية داخل حزب جديد، مع فارق أنه يريد هذه المرة دخول «البام» بشروط المالك لا بشروط العضو.

ساكنة جهة الداخلة وادي الذهب ليست قطيعا انتخابيا يساق خلف ينجا الخطاط من الشاحنة إلى الجرار. أصوات المواطنين ليست إرثا عائليا. المنتخبون ليسوا بضاعة تعرض داخل صفقة حزبية. والجهة ليست إمارة سياسية يتصرف فيها رئيس المجلس كأنها جزء من ممتلكاته.

ومن يردد أن الحزب يستمد قوته من ينجا الخطاط يفضح حقيقة البناء المحيط به: شبكة مصالح وولاءات شخصية ترتدي قميص الحزب ما دام القميص يضمن الكراسي، ثم تخلعه عند ظهور عرض أكثر إغراء.

إن الحملة لا تنطلق من قوة راسخة، وإنما من خوف حقيقي على المستقبل السياسي. فالخطاط يخوض معركة بقاء: يريد حماية رئاسة الجهة، وضمان التزكية المقبلة، وتأمين مواقع نجله وحلفائه، ثم عبور الطريق نحو الحزب الذي يقدم له أفضل الشروط.

أما الحديث عن الوفاء والعطاء فهو دخان كثيف يراد به حجب السؤال المركزي: ماذا يريد ينجا الخطاط مقابل البقاء وماذا طلب مقابل الرحيل ومن وعده بتسليم مفاتيح البام في الداخلة؟

شعار «كلنا خطاطيون» تحول إلى إعلان تحد للمؤسسات، ومحاولة لاحتجاز الجهة داخل مفاوضات رجل واحد. معناه السياسي أن ينجا الخطاط يريد أخذ جهة الداخلة وادي الذهب رهينة في معركته، ووضعها فوق الطاولة عربونا للحصول على التزكيات والنفوذ والحصانة الحزبية.

الدولة المغربية أكبر من أن تخضع لصراخ الصفحات، والصحراء المغربية أقدس من أن تباع داخل مزاد الكراسي، والجهة أقوى من أن تختزل في اسم منتخب مهما انتفخت صورته داخل حسابات المصفقين.

ينجا الخطاط يستطيع مغادرة الميزان وركوب الجرار، لكنه لن يحمل جهة الداخلة وادي الذهب معه. يستطيع تبديل الحزب، لكنه لن يبدل حقيقة أن المؤسسات فوق الأشخاص. ويستطيع إطلاق جيش الأرض المحروقة، لكنه لن يحول طموحه الشخصي إلى قضية وطنية.

زمن السياسي الذي يضع يده على كرسيه ويشهر الصحراء المغربية في وجه الدولة يجب أن يسقط ومن يتوهم أن جهة الداخلة وادي الذهب تسكن في جيبه سيكتشف أن الجهة أكبر منه وأن المغرب لا يفاوض أحدا على سيادته ولا يشتري الاستقرار من تجار التزكيات

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك