تتسع في المغرب الهوة بين الخطاب الرسمي حول تحسن المؤشرات الاقتصادية وبين واقع يومي ضاغط تعيشه فئات واسعة من الأسر، بعدما تحولت القروض الاستهلاكية، حسب تنبيهات الجمعية المغربية لحماية المستهلك، من وسيلة لتمويل مشاريع شخصية أو اقتناء تجهيزات منزلية إلى آلية اضطرارية لتغطية مصاريف المعيشة الأساسية.
ويكشف هذا التحول حجم الضغط المتزايد على القدرة الشرائية للطبقات المتوسطة والهشة، في ظل ارتفاع أسعار المواد الغذائية والخدمات الأساسية وتكاليف السكن والتعليم والنقل، مقابل أجور لم تعد تواكب وتيرة الغلاء.
وحسب مضمون التنبيه، فإن القرض الاستهلاكي لم يعد مرتبطا بالرفاه أو تحسين ظروف العيش، بل صار في حالات كثيرة وسيلة لأداء فواتير الماء والكهرباء والإنترنت، ومصاريف التمدرس، والكراء، وحتى حاجيات البقالة اليومية، ما يدفع عددا متزايدا من الأسر إلى دائرة مقلقة من المديونية المتكررة.
وتشير المعطيات التي أثارتها الجمعية إلى أن الأسر المغربية تواجه اختناقا ماليا متزايدا بسبب ثلاثة عوامل رئيسية: ارتفاع مصاريف التعليم الخصوصي، وتزايد كلفة الكراء في المدن الكبرى، وتصاعد فواتير الخدمات الأساسية. وهي مصاريف أصبحت تلتهم جزءا كبيرا من مداخيل الأسر وتقلص قدرتها على الادخار أو مواجهة الطوارئ.
ويزداد الضغط الاجتماعي مع اقتراب عيد الأضحى، حيث تطرح الجمعية سؤال القدرة الفعلية للأسر على اقتناء الأضاحي، في ظل ارتفاع الأسعار وتعدد الوسطاء والمضاربات التي ترفع الكلفة على المستهلك النهائي. وبذلك يتحول العيد، لدى عدد من الأسر، من مناسبة اجتماعية وروحية إلى عبء مالي يدفع البعض إلى الاستدانة أو التخلي عن طقس اجتماعي راسخ.
كما أعادت الجمعية طرح ملف شركة “سامير” باعتباره جزءا من النقاش حول السيادة الطاقية وحماية المستهلك من تقلبات أسعار المحروقات، معتبرة أن غياب قدرة وطنية على التكرير يجعل السوق الداخلية أكثر عرضة لصدمات الأسعار الدولية.
في المقابل، ترى الجمعية أن مواجهة هذا الوضع تتطلب إجراءات عملية تتجاوز الخطاب العام، من خلال ملاءمة الأجور مع مستوى الغلاء الحقيقي، وتشديد مراقبة الأسواق، والتصدي للمضاربات، وتقوية آليات حماية المستهلكين من الإفراط في المديونية.
ويطرح هذا الملف، في عمقه، سؤالا اجتماعيا واقتصاديا حادا حول قدرة السياسات العمومية على حماية الطبقة المتوسطة من الانزلاق نحو الهشاشة، في وقت أصبحت فيه المديونية وسيلة يومية لترميم ميزانيات أسر لم تعد قادرة على مجاراة كلفة الحياة.