يواصل الاقتصاد المغربي ترسيخ موقعه كواحد من أكثر الاقتصادات دينامية في المنطقة، مستفيدا من تحولات عميقة مست قطاعات الإنتاج والتصدير والاستثمار، في مسار يعزز صورة المملكة كمنصة صناعية وتجارية صاعدة على أبواب أوروبا وإفريقيا.
وتشير توقعات صندوق النقد الدولي إلى أن المغرب مرشح خلال السنوات المقبلة لتحقيق معدلات نمو تفوق أداء عدد من الاقتصادات الأوروبية، من بينها إسبانيا، في أفق سنة 2031، مع نسب سنوية قد تتجاوز 4 في المائة خلال بعض الفترات، مقابل وتيرة أبطأ لدى الجار الشمالي.
وبحسب تقرير لصحيفة “إل إيكونوميستا” الإسبانية، فإن هذا الأداء يستند إلى حركية قوية في مشاريع البنيات التحتية، وانتعاش القطاع السياحي، وتحسن الصادرات، إلى جانب صعود لافت للصناعة، وفي مقدمتها صناعة السيارات التي تحولت إلى أحد أعمدة النمو الاقتصادي الوطني.
وتبرز المعطيات المتداولة أن المغرب دخل مرحلة جديدة في بناء نموذجه الاقتصادي، بعدما تجاوزت صادرات السيارات عائدات الفوسفات، الذي ظل لعقود ركيزة أساسية في الاقتصاد الوطني. ويؤشر هذا التحول على انتقال تدريجي نحو اقتصاد صناعي أكثر تنوعا وقدرة على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
وباتت المملكة اليوم من أبرز مراكز صناعة السيارات في إفريقيا، بفضل استقطاب علامات دولية كبرى وشبكة واسعة من الموردين، إلى جانب التوجه المتزايد نحو تصنيع مكونات السيارات الكهربائية، خاصة مع اهتمام مستثمرين آسيويين بالسوق المغربية.
ويستفيد هذا القطاع من موقع المغرب القريب من أوروبا، ومن كلفة إنتاج تنافسية، ومن منظومة لوجستية وصناعية متطورة، ما جعل المملكة منصة مهمة لتصدير السيارات ومكوناتها نحو الأسواق الدولية.
ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا التحول لم يأت نتيجة ظرفية مؤقتة، وإنما ثمرة سياسات صناعية ممتدة ركزت على بناء منظومات إنتاج متكاملة، وربط الاستثمار بالتكوين واللوجستيك والتصدير، بدل الاكتفاء بجذب مصانع منفردة.
كما ساهمت الاستراتيجيات العمومية، وفي مقدمتها الميثاق الجديد للاستثمار، في تحسين مناخ الأعمال، وتعزيز جاذبية المملكة أمام الرساميل الأجنبية، بالتوازي مع مشاريع تحديث البنيات التحتية وتوسيع التحول الرقمي داخل القطاعات الإنتاجية.
ورغم هذا المسار التصاعدي، يشير التقرير الإسباني إلى استمرار تحديات تحتاج إلى معالجة، أبرزها حجم الاقتصاد غير المهيكل، والحاجة إلى رفع إنتاجية اليد العاملة، وتقوية قدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على الاندماج في سلاسل الإنتاج الحديثة.
وفي المقابل، تمنح مؤشرات النمو والاستقرار الاقتصادي المغرب هامشا مهما لمواصلة التقدم، خاصة في ظل رهانه على قطاعات المستقبل، وفي مقدمتها الطاقات المتجددة، والذكاء الاصطناعي، والصناعات المرتبطة بالتحول الرقمي.
وبذلك، يبدو أن المغرب لم يعد يراهن على موقعه الجغرافي وحده، وإنما على نموذج اقتصادي جديد يتأسس على الصناعة، والتصدير، والبنية التحتية، وجذب الاستثمارات، في مسار يضعه ضمن الاقتصادات الصاعدة القادرة على تسجيل نمو متسارع خلال العقد المقبل.
