انهيار وهم الدولة الاجتماعية في حصيلة أخنوش!

تحاول حكومة عزيز أخنوش أن تُلبس حصيلتها الاجتماعية ثوبا من الأرقام الضخمة، وأن تقدم نفسها باعتبارها حكومة “الدولة الاجتماعية”، عبر الحديث عن ارتفاع ميزانيات الصحة والتعليم، وتوسيع الدعم المباشر، وتعميم التغطية الصحية، وبناء مستشفيات ومؤسسات تعليمية جديدة.

لكن السياسة لا تُقاس بما تضعه الحكومة في وثائقها، وإنما بما يعيشه المواطن في المستشفى، وفي المدرسة، وفي السوق، وفي طابور البحث عن عمل.

إن الأرقام التي تسوقها الحكومة تبدو كبيرة على الورق، لكنها تصطدم بسؤال حارق: هل شعر المغربي بتحسن في العلاج؟ هل وجد التلميذ مدرسة عمومية أقوى؟ هل خف ضغط الأسعار؟ هل تراجعت البطالة؟ هل أصبحت الطبقة الوسطى أكثر أمانا؟ أم أن الحكومة تضع المليارات في الواجهة، بينما يظل الواقع اليومي للمغاربة مثقلا بالغلاء والهشاشة والانتظار؟

تقول الحكومة إن ميزانية الصحة انتقلت من 19,7 مليار درهم سنة 2021 إلى 42,4 مليار درهم سنة 2026، بزيادة بلغت 115 في المائة.

إنه رقم ضخم، لكن المواطن الذي ينتظر موعدا طبيا لشهور، أو يجد المستشفى بلا طبيب اختصاصي، أو يواجه خصاصا في الأدوية والتجهيزات، لا تعنيه نسبة الزيادة بقدر ما يعنيه حقه في علاج سريع ومحترم، إذ أن السياسة الصحية لا تصنعها الاعتمادات وحدها، وإنما يصنعها الأثر المباشر على المرضى.

وفي التعليم، ترفع الحكومة الرقم نفسه كسلاح تواصلي، وتقول إن الميزانية ارتفعت من 58,9 مليار درهم إلى 99,1 مليار درهم، بزيادة تصل إلى 68 في المائة.

لكن المدرسة العمومية لا تستعيد مكانتها بالميزانية وحدها، وإنما بجودة التعلمات، وبمحاربة الاكتظاظ، وبإنصاف تلاميذ القرى، وبإعادة الاعتبار للأستاذ، وبمنح أبناء المغاربة تعليما قادرا على فتح أبواب المستقبل، بدل إنتاج جيل جديد من الإحباط.

وتتحدث الحكومة عن 3 مستشفيات جامعية بطنجة وأكادير والرباط، وعن مشاريع بناء 5 مستشفيات جامعية جديدة بالعيون والرباط وكلميم وبرشيد وبني ملال، بغلاف مالي يصل إلى 17,2 مليار درهم، إلى جانب إعادة تأهيل 5 مستشفيات جامعية أخرى؛ غير أن السؤال السياسي الحقيقي هنا: هل نحن أمام إصلاح صحي عميق، أم أمام سياسة قائمة على إعلان الأوراش وتضخيم الأرقام؟

فالمستشفى لا يصبح مؤسسة ناجحة بتشييد بناية جديدة، بل يحتاج إلى أطر طبية وتمريضية، ومعدات، وأدوية، وحكامة، ومواعيد معقولة، وتدبير ينهي منطق “سير حتى نعيطو ليك”. أما الاكتفاء بالحديث عن الحجر والإسمنت، فلن يقنع مواطنا عجز عن إيجاد سرير أو طبيب أو دواء.

وفي قطاع التعليم، تتحدث الحصيلة عن تشييد 788 مؤسسة جديدة، منها 472 في الوسط القروي، و120 داخلية و109 مدرسة جماعاتية. وهي أرقام مهمة في ظاهرها، لكنها لا تجيب عن سؤال الجودة.

فكل مؤسسة جديدة تفقد معناها إذا ظل التلميذ يغادر المدرسة دون مكتسبات حقيقية، وإذا استمر الهدر المدرسي، وإذا بقيت الفوارق بين القرى والمدن عنوانا لفشل العدالة المجالية.

أما الدعم الاجتماعي المباشر، فتقدمه الحكومة كعنوان كبير لإنجازها الاجتماعي، حيث تتحدث عن استفادة أكثر من 3,9 مليون أسرة، أي ما يعادل 12 مليون مستفيد، بدعم شهري يتراوح بين 500 و1350 درهما، وبغلاف إجمالي بلغ 52 مليار درهم منذ دجنبر 2023. لكن الدعم، مهما كانت ضرورته، لا يمكن أن يتحول إلى بديل عن التشغيل، ولا إلى غطاء سياسي لتدبير الفقر بدل محاربته.

الدولة الاجتماعية لا تبنى بتوزيع مبالغ شهرية وحدها، بل تبنى حين يجد المواطن عملا، وأجرا كريما، ومدرسة قوية، ومستشفى عموميا يحميه، وسكنا لائقا، وقدرة شرائية لا تلتهمها الأسعار.

أما عندما يتحول الدعم إلى وسيلة لتخفيف الغضب، دون معالجة أسباب الهشاشة، فإننا نكون أمام تدبير اجتماعي للأزمة، لا أمام مشروع حقيقي للكرامة.

وفي ملف التغطية الصحية، تتحدث الحكومة عن تسجيل 11 مليون مستفيد من “أمو تضامن”، و418 ألف مستفيد من “أمو الشامل”. لكن بطاقة التغطية لا تعالج وحدها.

إن المواطن لا يحتاج إلى التسجيل في نظام صحي، وإنما يحتاج إلى مستشفى يستقبله، وطبيب يفحصه، ودواء يجده، وخدمة لا تدفعه نحو المصحات الخاصة التي أنهكت جيوب الأسر.

هنا يتضح الفرق بين الدولة الاجتماعية كخطاب، والدولة الاجتماعية كواقع، حيث أن الحكومة تتحدث بلغة الحصيلة، والمواطن يتحدث بلغة التجربة اليومية.

إن الحكومة تعرض الأرقام، والمواطن يعرض فاتورة السوق، وموعد المستشفى، وقسم ابنه، وأجرة لا تكفي، وبطالة تطارد الشباب.

إن ما يضع الحصيلة الحكومية أمام الامتحان هو محاولة تحويل الأرقام إلى ستار سياسي يحجب سؤال الأثر. الميزانيات ارتفعت، والمشاريع أُعلنت، والدعم صُرف، لكن هل تغيرت حياة المغاربة بالقدر الذي تحاول الحكومة تسويقه؟ هنا تسقط البلاغة الرقمية، ويبدأ امتحان الواقع.

الحكومة تريد أن تقول إنها بنت الدولة الاجتماعية، غير أن الدولة الاجتماعية لا تُبنى في الوثائق، ولا في العروض الرسمية، ولا في الجداول اللامعة. تُبنى في مستشفى لا يذل المريض، وفي مدرسة لا تقصي أبناء الفقراء، وفي سوق لا يحرق جيوب الأسر، وفي سياسة تشغيل لا تترك الشباب في المقاهي ينتظرون فرصة لا تأتي.

لذلك، فالحصيلة الحكومية سؤال سياسي بامتياز. هل نحن أمام إصلاح اجتماعي حقيقي، أم أمام حملة تواصلية مبكرة لتلميع نهاية الولاية؟ هل الأرقام تعبر عن تغيير فعلي، أم عن محاولة لصناعة صورة وردية فوق واقع غاضب؟

الجواب لا يوجد في كتاب الحصيلة، بل يوجد في بيوت المغاربة، في قاعات الانتظار بالمستشفيات، في المدارس العمومية، في الأسواق، وفي وجوه الشباب الباحثين عن عمل. هناك، بعيدا عن لغة الأرقام، تظهر الحقيقة كما هي: حكومة تتحدث كثيرا عن الدولة الاجتماعية، ومواطن ما زال ينتظر أن يلمسها في حياته اليومية.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك