بولعجول ينفق أزيد من 600 مليون على “معارض نارسا” وطرق المغرب تنزف بدماء الضحايا

في وقت ما تزال فيه الطرق المغربية تحصد الأرواح وتفتح كل يوم جراحا جديدة في بيوت المغاربة، اختارت الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية أن تفتح دفاترها على صفقة ثقيلة تتجاوز 6 ملايين درهم من أجل كراء المساحات وتصميم وتجهيز الأروقة للمشاركة في المعارض والفعاليات، وهو قرار يضع مدير الوكالة، ناصر بولعجول، في قلب مساءلة سياسية وأخلاقية حارقة حول معنى الأولويات داخل مؤسسة يفترض أن يكون كل درهم فيها موجها لوقف الموت على الطرق، لا لتلميع الواجهة داخل المعارض.

وتكشف وثائق طلب العروض المفتوح الدولي رقم 09/2026/NARSA، التي يتوفر عليها موقع “هاشتاغ”، أن الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية حددت الكلفة التقديرية لهذه الخدمات في 6 ملايين و19 ألفا و920 درهما مع احتساب الرسوم، على أن يتم فتح الأظرفة يوم الخميس 2 أبريل 2026 بمقر الوكالة بالرباط.

ومن خلال قراءة أولية لوثائق الصفقة، طفا السؤال الكبير على السطح: هل تحولت السلامة الطرقية في المغرب إلى رواق عرض يحتاج إلى الديكور والتجهيز أكثر مما يحتاج إلى تدخل ميداني صارم ومؤثر؟

هنا يبدأ الإحراج الحقيقي، لأن مؤسسة بحجم وحساسية الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية لا تملك ترف العبث بالرمزية في وقت الغضب الاجتماعي والضغط الاقتصادي. وعندما يرى الرأي العام أن ملايين الدراهم ترصد للأروقة وفضاءات العرض تحت عنوان المشاركة في المعارض، فمن حقه أن يتساءل بحدة: أي رسالة تريد الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية تمريرها للمغاربة؟ هل المطلوب هو إنقاذ الأرواح أم إنجاز ديكور مؤسساتي فاخر يستهلك المال العام تحت لافتة التواصل؟

وتبدو هذه الصفقة محرجة أكثر من أي وقت مضى، لأنها تضرب في عمق الخطاب الرسمي الذي يربط المسؤولية العمومية بالنجاعة وترشيد النفقات وحسن توجيه الاعتمادات. فعندما تكون المؤسسة معنية بملف السلامة الطرقية، يصبح الإنفاق على الزينة المؤسساتية استفزازا صريحا للوعي العام، لاسيما عندما تقاس كلفة الصفقة بما يمكن أن تموله من حملات تحسيس ميدانية وتجهيزات وقائية وبرامج تدخل مباشر في المناطق الأكثر دموية.

إن ناصر بولعجول يوجد اليوم في مرمى هذه الأسئلة الثقيلة، باعتباره المسؤول الأول عن اختيارات الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية وعن فلسفة صرف ميزانيتها.

ومن حق المغاربة أن يسألوا بوضوح: ما الجدوى الدقيقة من ضخ أكثر من ستة ملايين درهم في أروقة ومعارض؟ ما الأثر الفعلي لهذا الإنفاق على سلوك مستعملي الطريق وعلى تقليص الحوادث والوفيات؟ وأي أولوية هذه التي تضع العرض في الواجهة، فيما الوقاية الحقيقية ما تزال تتطلب نفسا آخر وقرارا أكثر جرأة؟

إن هذا النوع من الصفقات يوسع الفجوة بين المؤسسة والشارع، لأن المواطن الذي يواجه يوميا خطر الطريق ينتظر فعلا صارما على الأرض وحضورا وقائيا قريبا من المدارس والقرى والمدارات السوداء والنقط التي تحول فيها الإسفلت إلى آلة مفتوحة للحزن. وما لم تفهم الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية هذه الحقيقة، فإن كل رواق جديد سيقرأ باعتباره عنوانا على اختلال أكبر في ترتيب الأولويات.

كما تحمل هذه الصفقة في عمقها صورة مقلقة عن عقلية تدبير ما تزال تراهن على الواجهة بدل الجوهر، وعلى التسويق بدل الأثر، وعلى الإنفاق المريح بدل المحاسبة الصارمة على النجاعة.

وهكذا، فإن النقاش أصبح يدور حول المشروعية السياسية والأخلاقية للصفقة في ظرفية ينتظر فيها المواطن من كل مؤسسة عمومية أن تبرر كل درهم من المال العام بأثر مباشر وملموس.

إن الوكالة الوطنية للسلامة الطرقية مطالبة بأكثر من شرح تقني، إذ إنها مطالبة بتفسير سياسي واضح يجيب عن سؤال محرج ومباشر: كيف لمؤسسة عنوانها السلامة الطرقية أن تقتنع بأن الأروقة أولوية في زمن الطرق النازفة؟ وكيف لمديرها ناصر بولعجول أن يبرر هذا الاختيار أمام المغاربة الذين لا يريدون زينة مؤسساتية بقدر ما يريدون طرقا أقل قتلا وسياسة أقل برودا في مواجهة هذا النزيف؟

صفقة الأروقة والمعارض التي تتجاوز ستة ملايين درهم هي عنوان صادم يكشف كيف يمكن أن تختل البوصلة داخل مؤسسة يفترض أنها حارسة للأرواح لا مهندسة للواجهات. وبين طرق ما تزال تنزف يوميا وإنفاق ثقيل على فضاءات العرض، يجد ناصر بولعجول نفسه أمام امتحان صعب عنوانه الوضوح والمحاسبة وتبرير الأولويات. لأن المغاربة لن يسألوا عن شكل الرواق ولا عن أناقة التجهيز، بل سيسألون سؤالا واحدا لا يرحم: ماذا فعلت نارسا فعلا لتخفيف الموت على الطرق؟

تابعنا على الفيسبوك