معركة الدفاع في خندق الشعب ضد قانون يريد إسكات صوت المحاماة

ما عادت مواجهة المحامين ووزير العدل عبد اللطيف وهبي نزاعا مهنيا حول مواد قانونية، إنها صدام سياسي مكشوف حول من يملك حق صياغة العدالة في هذا البلد؛ سلطة تنفيذية تريد تمرير تصورها من أعلى، أم مهنة حرة صنعت تاريخها داخل قاعات المحاكم وفي ساحات الدفاع عن الحقوق والحريات.

في هذه المعركة، يقف المحامون في موقع الدفاع عن جوهر المحاكمة العادلة، وعن حق المواطن في دفاع مستقل، وعن فكرة العدالة نفسها حين تتحول القوانين إلى أدوات لضبط المهن وتطويع الأصوات الحرة داخل جهاز قضائي يفترض أن يبقى ملاذا للضعفاء والمقهورين وأصحاب الحقوق.

وزارة العدل، وهي تدفع بمشاريعها وسط هذا الاحتقان، مطالبة بأن تفهم أن المحاماة ليست ذيلا من ذيول السلطة التنفيذية، ولا مرفقا قابلا للتدجين بمراسيم وقوانين تصاغ فوق رؤوس المهنيين. المحاماة سلطة مضادة، وصوت رقابي داخل العدالة، وحصن اجتماعي يحمي المواطن حين يجد نفسه وحيدا أمام الدولة أو المال أو النفوذ.

لذلك، فإن غضب المحامين يحمل معنى سياسيا أعمق من لغة الإضراب والمقاطعة.

إنه احتجاج على منطق يريد تحويل الإصلاح إلى تعليمات، والحوار إلى واجهة شكلية، والعدالة إلى قطاع منضبط لإيقاع الحكومة.

وهذا ما يجعل المعركة الحالية اختبارا حقيقيا لقيمة الدستور، واستقلالية المهن، وموقع الدفاع داخل دولة الحق والقانون.

صحيح أن المواطن يتألم من توقف الجلسات وتأجيل القضايا، لكن تحميل المحامين وحدهم كلفة الشلل القضائي تزوير للحقيقة.

إن أصل الأزمة يوجد في طريقة تدبير وزارة العدل للورش، وفي إصرارها على دفع الجسم المهني إلى الزاوية، ثم مطالبة أصحاب البذلة السوداء بالصمت باسم المصلحة العامة.

المصلحة العامة تبدأ من احترام الدفاع، ومن إشراك المحامين في صياغة القوانين التي تؤطر مهنتهم، ومن حماية حق التقاضي، ومن وقف منطق الغلبة داخل إصلاح يفترض أن يبنى على الثقة لا على شد الحبل.

أما تحويل المحاكم إلى ساحة ضغط ثم اتهام المحامين بتعطيل العدالة، فهو قلب للوقائع ومحاولة لتجريم الاحتجاج المهني.

إن المحاماة المغربية تحمل رصيدا نضاليا لا يمحى. كانت حاضرة في معارك الحريات، وفي الدفاع عن المعتقلين، وفي حماية الحقوق، وفي مواجهة الشطط، وفي جعل المحكمة فضاء للكلمة الحرة لا قاعة صامتة أمام سلطة الاتهام.

لذلك، فإن المساس بموقعها داخل منظومة العدالة يعني إضعاف المواطن قبل إضعاف المحامي.

المطلوب اليوم أن تتراجع وزارة العدل عن منطق فرض الأمر الواقع، وأن تفتح حوارا حقيقيا يليق بمهنة حرة وببلد يحتاج إلى عدالة قوية ومستقلة.

أما المحامون، فمعركتهم تظل مشروعة عندما تبقى موجهة إلى حماية حق الدفاع، وصون كرامة المهنة، ومنع تحويل الإصلاح إلى أداة للضبط السياسي.

هذه ليست معركة امتيازات كما تحاول بعض الأصوات تصويرها، إنها معركة حول طبيعة العدالة التي نريدها: عدالة حرة ينطق فيها الدفاع بقوة، أم عدالة مطيعة تتحرك بإيقاع الوزارة.

ومن هذا المنطلق، فإن الانتصار للمحامين هنا هو انتصار للمواطن، وللمتقاضي، وللمعتقل، وللفقير، ولكل من لا يملك أمام جبروت السلطة سوى صوت محام حر.

تابعنا على الفيسبوك