خرج إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، من اجتماع مكتبه السياسي مساء الاثنين 29 يونيو 2026، حاملا بلاغا صاخبا في لغته، ملتبسا في مراميه، ومفتوحا على قراءة سياسية واحدة تقفز من سطوره؛ حزب “الوردة” اختار معركة انتخابية مبكرة، لكن رائحة البارود تقود إلى بيت آخر، إلى حيث يجلس عزيز أخنوش فوق كرسي حكومي بدأ يهتز تحت ضغط الغضب الاجتماعي، وتحت وطأة حديث متزايد عن قرب مغادرته لرئاسة الحكومة.
لقد رفع بلاغ حزب الاتحاد الاشتراكي شعار الدفاع عن الإرادة الشعبية والاختصاص الدستوري في تعيين رئيس الحكومة، وهي مبادئ محسومة في البناء الدستوري المغربي، ولا تحتاج إلى مزايدة حزبية ولا إلى ضجيج انتخابي سابق لأوانه.
لذلك بدا الخطاب الاتحادي كأنه يبحث عن غطاء نبيل لمعركة سياسية تخاض بالوكالة، معركة لا تستهدف حماية صناديق الاقتراع قدر ما تمنح عزيز أخنوش فرصة لالتقاط الأنفاس وسط عاصفة سياسية صاعدة حول حصيلته الحكومية.
فعندما يتحدث ادريس لشكر عن “صناعة اليقين الانتخابي الوهمي”، يضع نفسه في قلب حرب رمزية ضد كل تداول سياسي حول مرحلة ما بعد أخنوش.
وعندما يحذر من حسم اسم رئيس الحكومة المقبل قبل الانتخابات، فهو لا يدافع عن الدستور قدر ما يهاجم النقاش السياسي الذي صار يطوق رئيس الحكومة الحالي، بعدما تحولت حصيلته إلى مادة ثقيلة في الشارع، وسط أسعار مرهقة، وصحة متعبة، وتعليم مأزوم، وتشغيل يواصل إنتاج الخيبة، وطبقة وسطى تذوب تحت نار الغلاء.
وأمام هذا التموضع تبرز النقطة التي تربك بلاغ الاتحاد الاشتراكي؛ لماذا اختار ادريس لشكر هذا التوقيت تحديدا؟ ولماذا تحركت آلة الحزب بهذا النفس الحاد كلما ارتفع الكلام عن أفول تجربة عزيز أخنوش؟ ولماذا بدا الدفاع عن نزاهة الانتخابات متشابكا مع حاجة سياسية واضحة إلى حماية رئيس حكومة صار يتحسس رأسه كلما اقتربت ساعة الحساب الشعبي؟
إن الأمر لا يحتاج إلى كثير عناء لفهمه. إدريس لشكر، السياسي المتمرس في تبديل المواقع وتدبير الرسائل، يدرك أن عزيز أخنوش يوجد اليوم في أضعف لحظاته السياسية، إذ أن الرجل الذي جاء إلى رئاسة الحكومة محاطا بخطاب الثقة والكفاءة والقدرة على الإنجاز، صار محاصرا بأسئلة القدرة الشرائية والاحتقان الاجتماعي واتساع الفوارق وتنامي الإحساس العام بأن الوعود الانتخابية تحولت إلى عبء على أصحابها قبل خصومهم.
لذلك جاء بلاغ المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي كطلقة دخان كثيفة. عوض دفع النقاش نحو مساءلة رئيس الحكومة عن فشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية، اختار الحزب نقل مركز الجدل إلى “الشائعات” و”استباق الإرادة الشعبية” و”حسم اسم رئيس الحكومة المقبل”.
إنها صياغة سياسية ذكية في ظاهرها، لكنها تحمل في عمقها وظيفة واضحة؛ تخفيف الضغط عن عزيز أخنوش، وتحويل الأنظار من حصيلة حكومة مرتبكة إلى معركة مفتعلة حول من يحق له الحديث عن المستقبل.
يقول ادريس لشكر إنه ينتقد الأغلبية، لكنه يمنح رأس هذه الأغلبية خدمة سياسية ثمينة. يهاجم اختيارات الحكومة في الصحة والتعليم والتشغيل، ثم يفتح النار في اتجاه خصوم محتملين لأخنوش، كأنه يريد أن يقول للرجل: الوردة جاهزة للقتال عندما تضيق الدائرة حول كرسيك. تلك هي براعة الحرب بالوكالة؛ أن تبدو أمام الناس معارضا، وأن تشتغل في العمق كدرع سياسي لمن تزعم أنك تنتقده.
وما يضاعف الالتباس أن الاتحاد الاشتراكي، الذي يستحضر تاريخه النضالي عند كل منعطف، صار اليوم يضع هذا التاريخ في خدمة مناورات انتخابية مريبة. فحزب كان يوما عنوانا للمواجهة الفكرية والسياسية، يتحول تدريجيا إلى قوة ضغط ظرفية، تستعمل خطاب الديمقراطية لمحاصرة النقاش، وترفع شعار حماية الإرادة الشعبية كي تكبح أي حديث عن سقوط سياسي محتمل لرئيس الحكومة.
أما عزيز أخنوش، فهو المستفيد الصامت من هذه الخرجة. رئيس الحكومة الذي يعرف أن المزاج الشعبي ما عاد في صفه، وأن كلفة المعيشة التهمت كثيرا من رصيده، وأن أحزابا وفاعلين بدأوا يقرأون مرحلة ما بعده، وجد في بلاغ الاتحاد الاشتراكي هدية سياسية جاهزة. هدية تمنحه فرصة للظهور بمظهر من يتعرض لحملة استباقية، عوض ظهوره كمسؤول حكومي مطالب بتقديم كشف حساب ثقيل أمام المغاربة.
هكذا تبدو خرجة ادريس لشكر: نار معلنة باسم الاتحاد الاشتراكي، ودخانها يتجه نحو خدمة أخنوش. خطاب يتحدث عن الديمقراطية، لكنه يشتغل داخل حسابات السلطة الانتخابية. بلاغ يرفع “الوردة”، لكنه يمسك من تحت الطاولة بمظلة سياسية فوق رأس رئيس حكومة صار يدرك أن الرياح المقبلة قد لا تمر بردا وسلاما على مقامه الحكومي.
لقد اختار إدريس لشكر أن يقتحم معركة شديدة الحساسية، لكن اقتحامها بهذه الطريقة جعله في موقع من يخوض حربا بالوكالة، لا في موقع زعيم حزبي يقود مواجهة مستقلة.
وما يفصل بلاغا يهاجم “اليقين الوهمي” عن واقع سياسي يوحي بأن كرسي عزيز أخنوش يترنح، هو حقيقة قاسية تفيد أن حزب “الوردة” أطلق النار حيث يحتاج أخنوش إلى من يثير الغبار حول خصومه، لا حيث يوجد الخلل.
