أعاد تقرير حديث صادر عن اليونسكو فتح النقاش بقوة حول واقع المنظومة التعليمية بالمغرب، في ظل فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن تحسن ملحوظ في مستويات التلاميذ، والمعطيات الميدانية التي تكشف استمرار اختلالات عميقة.
ففي الوقت الذي يؤكد فيه وزير التربية الوطنية محمد برادة أن مشروع “مدارس الريادة” أفرز نتائج إيجابية، مع تسجيل تحسن لدى نسبة مهمة من التلاميذ، ترسم المؤشرات الدولية صورة مغايرة، تعكس استمرار ضعف التحصيل الدراسي، خاصة في المواد الأساسية مثل القراءة والرياضيات.
ويضع تقرير اليونسكو اليد على واحدة من أبرز أعطاب المنظومة، حيث لا يزال عدد كبير من التلاميذ دون الحد الأدنى من الكفاءة، في وقت تتفاقم فيه الفجوة بين المستويات التعليمية، خصوصا مع الانتقال إلى السلك الإعدادي.
وتكشف الأرقام الواردة في التقرير الأممي نزيفا صامتا داخل المدرسة العمومية، إذ يغادر حوالي 16 في المائة من التلاميذ الدراسة قبل إتمام المرحلة الابتدائية، لترتفع النسبة بشكل لافت إلى 53 في المائة في الإعدادي، ثم إلى 74 في المائة في الثانوي، ما يعني أن أقل من ثلث التلاميذ فقط يبلغون مستوى البكالوريا.
ورغم تسجيل بعض المؤشرات الإيجابية المرتبطة بارتفاع الإنفاق العمومي وتوسيع التعليم الأولي وتحسين تكوين الأساتذة، فإن هذه الجهود تبدو عاجزة عن إحداث تحول حقيقي في جودة التعلمات، في ظل استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية التي ترهن مسار التلميذ منذ المراحل الأولى.
ويبرز التقرير أن المدرسة المغربية لا تزال تعاني من اختلالات بنيوية، تتجلى في ارتفاع معدلات الهدر والتكرار، إلى جانب وجود آلاف الأطفال خارج المنظومة التعليمية، خاصة في المناطق القروية، حيث تتضاعف صعوبات التمدرس بسبب الهشاشة الاقتصادية وضعف البنيات.
وبين مؤشرات رسمية تتحدث عن تحسن، ومعطيات ميدانية ترصد تعثرا مستمرا، يطرح واقع التعليم اليوم سؤالا جوهريا حول نجاعة الإصلاحات، وحدود قدرتها على تحقيق تكافؤ الفرص وضمان حد أدنى من الجودة لجميع التلاميذ.
ففي قطاع يُفترض أن يشكل رافعة أساسية للتنمية، تبدو الأرقام أكثر صرامة من الخطابات، وتكشف أن التحدي لم يعد في إطلاق البرامج، بل في ترجمتها إلى نتائج ملموسة داخل الفصول الدراسية.