دعم واستيراد وغلاء مستمر.. من يتحكم في أسعار اللحوم قبل العيد؟

يتصاعد التوتر في ملف أسعار اللحوم الحمراء بالمغرب مع اقتراب عيد الأضحى، وسط اتساع رقعة القلق داخل الأوساط الاجتماعية والسياسية، في ظل استمرار الأثمان في مستويات مرتفعة أنهكت القدرة الشرائية للأسر وأعادت إلى الواجهة أسئلة حادة حول فعالية التدابير المعتمدة لضبط السوق الوطنية.

وفي هذا السياق، تحرك الفريق الحركي بمجلس النواب نحو رئيس لجنة القطاعات الإنتاجية، مطالبا بعقد اجتماع مستعجل بحضور وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، من أجل الوقوف على وضعية العرض والأسعار، وتقييم الإجراءات المتخذة للحفاظ على توازن السوق قبل حلول المناسبة التي تشهد عادة ذروة الطلب على الأضاحي.

ويأتي هذا التحرك البرلماني في وقت يزداد فيه القلق بين المواطنين، مع استمرار موجة الغلاء التي تضرب أسعار الأغنام والماعز واللحوم الحمراء عموما، ما يثير نقاشا واسعا حول حجم القطيع الوطني، وشفافية دوائر التوزيع، وحجم تأثير الوسطاء في توجيه الأثمان نحو مستويات تفوق قدرة فئات واسعة من الأسر.

ويكشف هذا الوضع ضغطا متزايدا على التوازن بين العرض والطلب، في ظرفية اقتصادية واجتماعية دقيقة تتسم بارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، وهو ما يفاقم العبء على ميزانيات الأسر المغربية مع اقتراب عيد الأضحى.

وبحسب المعطيات المتداولة في الأوساط المهنية، فإن العرض الوطني من الأضاحي يناهز 13 مليون رأس من الأغنام والماعز، في مقابل طلب يقدر بنحو 6 ملايين رأس خلال فترة العيد، وهو معطى يضع السوق أمام مفارقة واضحة بين وفرة القطيع من جهة، واستمرار الأسعار في الارتفاع من جهة ثانية.

وتفتح هذه الأرقام الباب أمام تساؤلات واسعة بشأن نجاعة السياسات العمومية المعتمدة في هذا المجال، ومدى قدرتها على تحويل وفرة العرض إلى أثر فعلي على الأسعار داخل السوق، خاصة مع تعدد المتدخلين في سلاسل الإنتاج والتوزيع وغياب وضوح أكبر في انتقال الكلفة من المنتج إلى المستهلك.

وخلال الأيام الأخيرة، واصلت أسعار اللحوم الحمراء منحاها التصاعدي، حيث بلغ سعر لحوم الأغنام في أسواق الجملة نحو 135 درهما للكيلوغرام، فيما تجاوز في التقسيط 150 و160 درهما، بعدما كانت الأسعار في فترات سابقة تدور بين 90 و100 درهم في ظروف أقل ضغطا.

هذا الارتفاع يسلط الضوء على اختلالات بنيوية تطبع السوق، سواء على مستوى كلفة الإنتاج أو هوامش الربح أو آليات المراقبة، ما يزيد من معاناة المستهلكين ويضع الحكومة أمام اختبار صعب في ملف يمس الحياة اليومية للمواطنين بشكل مباشر.

وفي مواجهة هذا الوضع، اتجهت الحكومة خلال مراحل سابقة إلى دعم العرض عبر استيراد اللحوم والأضاحي من الخارج، خاصة من الأسواق الأوروبية وأمريكا اللاتينية، أملا في تخفيف الضغط على القطيع الوطني والمساهمة في استقرار الأثمان داخل السوق.

غير أن هذا الاختيار لم يسلم من الانتقاد، حيث تعتبر فعاليات مهنية ونقابية أن الاستيراد، رغم طابعه الاستعجالي، لا يكفي وحده لمعالجة الأزمة في غياب إصلاحات عميقة لمنظومتي الإنتاج والتوزيع، تكفل ضبط السوق وتحصينها من المضاربات والتفاوتات الحادة في الأسعار.

كما يثير تزامن الدعم الموجه للمربين المحليين مع فتح باب الاستيراد نقاشا متواصلا حول فعالية توجيه الموارد العمومية، ومدى تحقق الأثر الاجتماعي المنتظر من هذه التدخلات في ما يتعلق بحماية المستهلك والحفاظ على استقرار السوق.

وفي هذا الإطار، عبرت المنظمة المغربية لحقوق الإنسان ومكافحة الفساد عن قلقها من الاختلالات المسجلة في سوق اللحوم، مشيرة إلى وجود فارق كبير بين أسعار الاستيراد، التي تتراوح بين 35 و40 درهما للكيلوغرام، والأسعار النهائية المؤداة من طرف المستهلك، والتي قد تتجاوز 130 درهما.

واعتبرت المنظمة، في بلاغ لها، أن تعدد الوسطاء وضعف الشفافية ساهما في تضخيم هوامش الربح بشكل يفرغ الدعم العمومي من أثره الاجتماعي، كما حذرت من ممارسات تمس حقوق المستهلك، من قبيل خلط اللحوم المستوردة بالمحلية دون توضيح مصدرها، بما يفاقم أزمة الثقة داخل السوق ويضعف شروط المنافسة السليمة.

ودعت الهيئة ذاتها إلى فتح تحقيق شامل لتحديد المسؤوليات، وربط أي دعم عمومي مقبل بشروط واضحة تضمن سقفا للأسعار، حتى يصل أثر هذا الدعم إلى الفئات المستهدفة فعليا.

وفي موازاة ذلك، سبق للفريق الاشتراكي المعارضة الاتحادية بمجلس النواب أن وجه سؤالا شفويا إلى وزير الفلاحة، طالب فيه بتوضيحات حول أسباب استمرار هذا الارتفاع، رغم ما يفترض أن يحققه الدعم العمومي من أثر في استقرار السوق وتخفيف العبء عن المستهلكين.

وسجل الفريق أن الأسعار الحالية لا تعكس النتائج المنتظرة من الدعم الموجه للكسابة، مشيرا إلى أن اللحوم الحمراء تحولت إلى مادة تثقل كاهل الأسر، بل أصبحت بعيدة عن متناول شرائح واسعة من المواطنين، في ظل سياق اقتصادي واجتماعي شديد الضغط.

وفي هذا الإطار، أوضحت النائبة البرلمانية عويشة زلفى، باسم الفريق، أن استمرار هذا الوضع يطرح أسئلة جوهرية حول فعالية السياسات المعتمدة، معتبرة أن أصل الإشكال قد يرتبط باختلالات داخل سلاسل الإنتاج والتوزيع، أو بضعف آليات المراقبة وتتبع أثر الدعم على الأسعار النهائية.

كما أثار الفريق مسألة توجيه الدعم، متسائلا عن عدد المستفيدين الفعليين ومدى أثر هذه التدابير على القطيع الوطني، في ظل استمرار تقلبات العرض وارتفاع تكاليف الإنتاج، وهي عوامل قد تسهم في تغذية هذا الارتفاع المتواصل في الأسعار.

وطالب الفريق الحكومة بتقديم تقييم محين لنتائج الدعم العمومي، والكشف عن الإجراءات العملية المرتقبة لضمان توجيهه بكفاءة أكبر، وربطه مباشرة باستقرار الأسعار داخل السوق الوطنية.

ومع اقتراب عيد الأضحى، يزداد الضغط على السلطات العمومية من أجل اتخاذ خطوات عملية تعيد الثقة إلى السوق وتخفف منسوب التوتر الاجتماعي المرتبط بالغلاء، في ظرفية تفرض تدخلا أكثر دقة ونجاعة لضمان التوازن بين مصالح المنتجين والمهنيين وحماية القدرة الشرائية للمواطنين.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك