صندوق النقد الدولي يمدح الرباط.. فهل يعيش الاقتصاد المغربي انتعاشاً حقيقياً أم وهماً محاسبياً؟

علي الوادني/هاشتاغ
في تقرير حديث صادر عن صندوق النقد الدولي عقب مشاورات المادة الرابعة لسنة 2026، بدا المشهد الاقتصادي المغربي وكأنه قصة نجاح مكتملة الأركان: نمو مستقر، تضخم منخفض، استثمارات متزايدة، وإصلاحات جارية.

لكن خلف هذا الخطاب التقني المنمق، تبرز أسئلة حارقة حول حقيقة هذا “الانتعاش” ومن المستفيد منه فعلياً على أرض الواقع.

التقرير يتحدث عن نمو اقتصادي في حدود 4.9%، مدفوعاً أساساً بالقطاع الفلاحي والاستثمار العمومي. غير أن هذا الرقم رغم بريقه يخفي هشاشة بنيوية واضحة، حيث يظل الاقتصاد رهيناً للتقلبات المناخية وللإنفاق العمومي المكثف.

فهل يمكن الحديث عن اقتصاد قوي ومستدام بينما يعتمد على أمطار “استثنائية” وليس على إنتاجية حقيقية؟

الأخطر من ذلك أن التقرير نفسه يعترف بشكل غير مباشر بأن هذا النمو يرافقه اتساع في عجز الحساب الجاري بسبب ارتفاع الواردات المرتبطة بالاستثمار.

بمعنى آخر: المغرب ينمو لكنه يستهلك أكثر مما ينتج وهي معادلة مقلقة قد تتحول إلى قنبلة موقوتة إذا تراجعت الاستثمارات أو تقلصت تدفقات العملة الصعبة.

ورغم إشادة المؤسسة الدولية بتحسن المداخيل الضريبية وبلوغها 24.6% من الناتج الداخلي الخام، فإن هذا “النجاح” يطرح بدوره علامات استفهام.

فارتفاع الضرائب لم ينعكس بوضوح على تحسين الخدمات العمومية، خاصة في الصحة والتعليم اللذين ما زالا يعانيان من اختلالات عميقة. وهنا يطرح السؤال: هل الإصلاح الجبائي يخدم التنمية أم يثقل كاهل المواطنين والمقاولات؟

التقرير يدعو أيضاً إلى الاستثمار في “الرأسمال البشري”، وهي عبارة دبلوماسية تخفي اعترافاً صريحاً بفشل السياسات الاجتماعية الحالية.

فلو كانت المنظومة التعليمية والصحية فعالة، لما كان هذا النداء المتكرر من صندوق النقد الدولي في كل تقاريره تقريباً.

أما على مستوى التشغيل، فيبدو التناقض صارخاً. فبينما تتحدث الحكومة عن دينامية اقتصادية، يؤكد التقرير أن خلق فرص الشغل لا يزال تحدياً ملحاً.

هذا الاعتراف ينسف جزءاً كبيراً من الخطاب الرسمي: ما قيمة النمو إذا لم يترجم إلى وظائف حقيقية تحفظ كرامة المواطنين؟

وفي ما يتعلق بالقطاع الخاص يشدد التقرير على ضرورة تحسين مناخ الأعمال وتعزيز تنافسية المقاولات، في إشارة ضمنية إلى استمرار عراقيل بيروقراطية وهيمنة غير متكافئة للمؤسسات العمومية.

وهو ما يعني أن الحديث عن “تحرير الاقتصاد” لا يزال بعيداً عن الواقع.

حتى السياسة النقدية لم تسلم من التوصيات، حيث دعا التقرير إلى مزيد من مرونة سعر الصرف وهي خطوة قد تبدو تقنية لكنها تحمل في طياتها مخاطر اجتماعية، خاصة إذا أدت إلى ارتفاع الأسعار في بلد يعاني أصلاً من هشاشة القدرة الشرائية.

هذا ويقدم تقرير صندوق النقد الدولي صورة مزدوجة. إشادة بالإصلاحات من جهة، وتحذيرات مبطنة من اختلالات عميقة من جهة أخرى.

وبين السطور يمكن قراءة حقيقة واضحة: الاقتصاد المغربي يسير، نعم… لكنه يسير على حبل مشدود بين التفاؤل الرسمي والواقع الاجتماعي الصعب.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك