هاشتاغ _ بقلم: مصطفى الفن
في سياق الاستعداد للذكرى ال27 من العهد الجديد الذي ما عاد جديدا، دعونا نطرح هذا السؤال:
ما هو أكبر تحد واجهه ملك البلاد طيلة قرابة ثلاثة عقود من الحكم ومن الجلوس على العرش؟..
يمكن أن أقول، وبدون تردد، إن أكبر تحد واجهه الملك هو احتجاجات “الربيع العربي” التي أطاحت بأكثر من نظام سياسي في أكثر من دولة في جوارنا وفي محيطنا العربي والإقليمي..
وكلنا يتذكر كيف خرج المغاربة إلى شوارع المملكة في احتجاجات ومسيرات شعبية يوم 20 فبراير في أكثر من 50 مدينة مغربية..
بل كلنا يتذكر أيضا كيف ابتلعت الأرض الكثير من القادة السياسين..
وكيف اختفت الكثير من الوجوه ومن الشخصيات العامة من واجهة الأحداث ومن واجهة النقاش العمومي..
وكيف حزم “البعض” حقائبهم وأمتعتهم استعدادا للرحيل وربما حتى للهروب أيضا..
وكيف أحس “البعض” من المحيط الملكي نفسه بالندم وبالحسرة فقط لأنه لم يقفز من السفينة في “أوقات الرخاء” مثلما روى لي مصدر درس مع الملك بالمدرسة المولوية..
ولا أريد أن أعطي أسماء وازنة في هذا المنحى..
أما في البام أو في الحزب، الذي كان أقرب إلى “جهاز أمني” مثلما “تأكد” اليوم مع هذه التسريبات الخطيرة والعابرة للحدود، فقد “تبرأ”، وقتها، معظم مؤسسي هذه التجربة السياسية من مؤسس التجربة نفسه والذي ليس سوى صديق الملك فؤاد عالي الهمة..
لكن كم احتاج بلدنا من الزمن السياسي لتدبير هذه الأزمة غير المسبوقة والمرتبطة باحتجاجات الربيع العربي؟..
والواقع أن بلدنا لم يكن في حاجة سوى إلى زمن سياسي صغير ليضع بوصلة البلاد بكاملها على سكة ملكية برلمانية وعلى سكة جيل جديد من الأوراش الكبرى ومن الإصلاحات الكبرى..
جرى هذا حتى أن زميلنا وصديقنا توفيق بوعشرين كتب قائلا:
“الملك يُسقٕط النظام”..
وفعلا، ففي يوم 9 مارس الموالي، خرج الملك محمد السادس، في خطاب، حدد فيه الصلاحيات وحدد فيه “خارطة الطريق” وحدد معها حتى الوصفة للخروج من هذه الأزمة غير المتوقعة..
أما “خارطة الطريق” فقد تجسدت في ذلك التجاوب الملكي السريع مع الشارع ومع مطالب الناس في درس بليغ أكد من جديد مقولة “الاستثناء المغربي” التي عرف بها البلد..
في هذا الخطاب الملكي أيضا، دعا الملك إلى استفتاء شعبي..
ودعا إلى دستور جديد يخرج من صناديق الاقتراع..
ودعا إلى استحقاقات انتخابية جديدة..
ودعا إلى تشكيل حكومة جديدة قادها فاعل سياسي كان ربما “شبه منبوذ” و”شبه مطارد” من طرف الداخل والخارج..
حصل هذا في وقت اختارت كل الأنظمة العربية “تقريبا” أن تواجه نشطاء هذه الاحتجاجات الشعبية السلمية بالقتل العشوائي وبالحديد وبالنار وبالدبابات العسكرية..
وبالطبع، كانت الحصيلة على الأرض ثقيلة جدا جدا في بعض دول الجوار الإقليمي والعربي:
انهار نظام بنعلي في تونس..
وانهار نظام مبارك في مصر..
وانهار نظام القذافي في ليبيا..
وانشق السودان إلى سودانين..
وتمزق اليمن السعيد إلى شعوب وقبائل مازالت تعيش الشقاء إلى اليوم، وما زالت تتقاتل وتتناحر فيما بينها بدون أفق..
وتحولت سوريا إلى “شبه بلد” كما لو أن المسكينة “مضروبة” بقنبلة نووية..
وحده المغرب الذي اختار طريقا ثالثا وتعامل بذكاء في تدبير الأزمات وفي امتصاص الصدمات الكبرى..
وهكذا رأينا فيما بعد كيف أن بعض قادة احتجاجات 20 فبراير وبعض قادة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان مثل عبد الحميد أمين وربما حتى خديجة الرياضي وهم يتحدثون عن قضايا ذات “حساسية” على شاشة القناة الرسمية “دوزيم” دون أن يقع أي مكروه في المغرب..
طبعا واليوم وبعد كل هذه السنوات الزمن السياسي، لا أقول إن “العام زين” وإن كل شيء في البلد هو على أحسن ما يرام..
نعم قطعنا أشواطا مهمة على أكثر من مستوى وفي أكثر من مجال..
لكن ما زالت ثمة أشواط أخرى لم تقطع بعد..
وما زالت “أذرع السلطوية” تشتغل، ليل نهار، لعلها تسترد باليد اليسرى ما أعطي باليد اليمنى في الوثيقة الدستورية لسنة 2011..
وحتى لا أنسى، تمعنوا جيدا ما قاله إلياس، ذات سياق مضى، في هذا الدستور نفسه:
“إنه مجرد رواية قبيحة لا أقل ولا أكثر”..