محمد بوبكري.. الإسلام يناهض العنف ضد الزوجة

محمد بوبكري
العنف ضد الزوجات ظاهرة موجودة في العالم كله، وهو أمر لا يمكن إنكار وجوده لأن هناك حملات كثيرة ضد هذه الظاهرة في كل مكان. لقد أصبحت اليوم ممارسة العنف ضد النساء سلوكا مرفوضا، لأنه يتعارض كليا مع القيم الكونية التي تسعى إلى ترسيخ حقوق الإنسان وصيانتها…

أما في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فإن ظاهرة العنف ضد الزوجات متفشية بشكل كبير، لأن بعض الفقهاء يساهمون في ترسيخ هذه الظاهرة واستفحالها عندنا.

بداية، عندما نقول إن الإسلام ضد ممارسة العنف المادي والرمزي واللفظي على الزوجة، فإن الفقهاء المنغلقون وعوام المسلمين يرفضون ذلك، مدعين أن القرآن إلى جانبهم في فكرة جواز ضرب الزوجة، حيث يستندون إلى الآية التي تقول: “واللاتي تخافون نشوزهن فعظهوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن….” (النساء،34)، فهم يستندون إلى هذه الآية لتشريع جواز ضرب الزوجات في الإسلام.

بداية، لنتفق على أن هذه الآية لا تتحدث عن النساء بقدر ما هي تتحدث عن الرجال، إنها موجهة إلى الرجال، لا إلى النساء.. إنها موجهة إلى الرجال الذين يخافون من نشوز زوجاتهم، أو لهم شك في ذلك. والنشوز أنواع ومستويات، حيث قد يتمثل في تعالي الزوجة وكبريائها وابتعادها عن زوجها ونفورها منه وهجرها له. وتشير هذه إلى أن هذا النشوز لم يحصل لأن الله تعالى لم يقل: “واللاتي ينشزن “، وإنما قال: “واللاتي تخافون نشوزهن “.

وخلاصة القول، إن هذه الآية موجهة خصوصا إلى الرجال الذين يخافون من النشوز … ولحل الخلاف بين الزوج وزوجته تقول الآية إنه ينبغي أن تكون المعاملة باللسان، أي الوعظ، أو الهجر، أو الضرب. ويؤكد وجود الهجر أن هذه الآية موجهة إلى الرجال، لأنه إذا كانت موجهة إلى المرأة، وهي ناشز، فسيكون ذلك من سعادتها، لأنها لم تعد تحبه أو تطيقه.

وإذا كان بعض المفسرين يفسرون هذه الآية بأنها تدعو إلى الضرب المادي، فإنها لا تعني الضرب المادي المعروف. ويكمن المشكل في تحديد مفهوم “الضرب” الذي له معاني عديدة، حيث يقال: “ضرب الله الأمثال للناس”، ويقال كذلك “ضرب فلان في الأرض”، أي ابتعد. وهناك من استعمل هذا المعنى الثاني لتفسير الضرب بالهجر، أي ابتعاد الزوج عن زوجته. لكن هناك معنى آخر، حيث إننا إذا رجعنا إلى “لسان العرب” نجد معنى آخر للضرب حيث تعني ضرب الفحل الناقة، أي نكحها. هكذا، ففي حالة النشوز تكون المعاملة بالوعظ، أو الهجر، أو الاقتراب عبر العلاقة الجنسية. وهذا الحل الأخير هو ما يشكل مخرجا لأغلب الخلافات والصراعات الزوجية.

قد يتشبث بعض المفسرين بتشريع ضرب الزوجة الناشز قائلين: لماذا لا يكون الضرب هو المعاملة في حالة نشوز المرأة؟ وهذا مخالف لقوله تعالى في كتابه المجيد: “أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا” (النساء،82). وتعني هذه الآية أن القرآن لا يتضمن تناقضات. وفي هذا الإطار، يؤكد سبحانه أن العلاقة بين الزوجين هي علاقة مودة ورحمة، حيث يقول عز وجل: “ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها. وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون”(الروم، 21). فأي مودة يتحدث عنها هؤلاء عندما يمارسُ العنف المادي على الزوجة؟؟! ويقول سبحانه: “وعاشروهن بالمعروف فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله خيرا كثيرا” (النساء،19). فالله يوصي بالمعاشرة بالمعروف، حتى في حالة الكره. وللتأكيد على جواز ضرب المرأة الناشز، يستند بعض المفسرين إلى حديث نبوي يقول “اضربوهن ضربا غير مبرح”، غير أن أغلب المفسرين يجمعون على أن هذا حديث ضعيف مرسل، مما جعله حديثا لا ُيعتد به. وإذا كان هؤلاء المفسرون يعتقدون أنهم على الأرض، فلماذا لم ينظروا في سيرة الرسول ليطلعوا على علاقة الرسول بزوجاته، حيث إنه لم يضرب أبدا أية واحدة منهن، بل إنه عندما عصته بعض زوجاته، حرمهن على نفسه، ولكنه لم يلجأ أبدا إلى الضرب.

وخلاصة القول أن كل الفقهاء الذين يسعون إلى إجازة ضرب النساء يقولون كلاما لا يستند إلى حجج معرفية أو تاريخية، بل إنهم يعبرون عن هوى في أنفسهم. هكذا يجب أن تنهض العلاقة الزوجية على المودة والمعروف، وإذا استعصت العشرة بين الزوجين، “فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان” (البقرة، 229).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *