أعاد القرار الأمريكي القاضي بالانسحاب الرسمي من منظمة الصحة العالمية فتح نقاش عميق حول مستقبل النظام الصحي الدولي وحدود العمل متعدد الأطراف في زمن الأزمات الكبرى، حيث أن الخطوة، التي قدّمتها واشنطن باعتبارها تصحيحًا لمسار اعتبرته مضرًا بالمصالح الوطنية، تحمل في طياتها أبعادًا سياسية واجتماعية تتجاوز بكثير الخلاف الظرفي مع مؤسسة أممية، وتمس جوهر الحوكمة العالمية للصحة.
ويعكس هذا الانسحاب تحوّلًا واضحًا في مقاربة الولايات المتحدة للعلاقات الدولية، يقوم على إعادة الاعتبار للسيادة الوطنية وتقليص الاعتماد على المنظمات متعددة الأطراف التي تُتَّهم بالعجز والبيروقراطية والتسييس، إذ أن اتهام منظمة الصحة العالمية بالفشل خلال جائحة كوفيد-19، وبتأخير تبادل المعطيات الحيوية، يُقدَّم كدليل على أن المنظومة الأممية لم تعد قادرة على مواكبة طبيعة المخاطر الصحية العابرة للحدود.
وبهذا المعنى، يشكّل القرار رسالة سياسية مباشرة مفادها أن واشنطن تفضّل نماذج التعاون الثنائي والموجّه نحو النتائج على الأطر الجماعية التقليدية.
غير أن هذه الرسالة تتجاوز منظمة الصحة العالمية لتطال مجمل النظام الدولي القائم على التعددية، حيث أن انسحاب أكبر ممول تاريخي للمنظمة يضعف قدرتها المالية والمؤسساتية، ويمنح الدول الكبرى الأخرى هامشًا أوسع لإعادة تشكيل موازين التأثير داخل المنظومة الصحية العالمية.
كما يفتح الباب أمام تصاعد منطق الاستقطاب، حيث تتحول الصحة العامة من مجال للتعاون الإنساني إلى ساحة تنافس جيوسياسي.
ويطرح القرار كذلك تساؤلات مقلقة حول انعكاساته على الفئات الأكثر هشاشة داخل العالم. فتوقف التمويل الأمريكي لمبادرات منظمة الصحة العالمية يهدد برامج أساسية تتعلق بمكافحة الأوبئة، والتلقيح، وتعزيز الأنظمة الصحية في الدول ذات الموارد المحدودة.
وفي ظل عالم مترابط، فإن أي خلل في منظومة الرصد والوقاية قد يتجاوز الحدود الوطنية بسرعة، بما يجعل تداعيات القرار غير محصورة داخل المجال الأمريكي.
في الداخل الأمريكي، يحمل القرار بُعدًا رمزيًا قويًا، حيث يُقدَّم بوصفه استجابة لغضب اجتماعي تراكم خلال الجائحة، وكسعي لإعادة الثقة في قدرة الدولة على حماية مواطنيها بعيدًا عن مؤسسات دولية يُنظر إليها بريبة. غير أن هذا الخطاب قد يواجه اختبار الواقع، خاصة في حال بروز أزمات صحية جديدة تتطلب تنسيقًا دوليًا واسع النطاق.
كما يكشف القرار عن تحوّل في مفهوم القيادة العالمية للصحة. فالولايات المتحدة تعلن عزمها الاستمرار في لعب دور ريادي عبر شراكات مباشرة ومحددة الأهداف، وهو تصور يعكس انتقالًا من قيادة جماعية قائمة على الإجماع إلى قيادة انتقائية تقوم على التحالفات والنتائج السريعة.
إن هذا التحول قد يعزز الفعالية في بعض الملفات، لكنه يحمل مخاطر تفكك الجهود العالمية وتعدد المعايير والاستجابات.
وهكذا، يمثل انسحاب الولايات المتحدة من منظمة الصحة العالمية لحظة مفصلية في تاريخ الحوكمة الصحية الدولية. فهو قرار يعيد طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل التعاون العالمي، وحدود السيادة في مواجهة الأوبئة، والكلفة الاجتماعية لتحويل الصحة إلى ملف سياسي بامتياز. وبين من يرى في الخطوة تصحيحًا ضروريًا لمسار مختل، ومن يعتبرها تهديدًا للتضامن الدولي، يبقى الثابت أن العالم دخل مرحلة جديدة تُعاد فيها صياغة العلاقة بين السياسة والصحة على أسس أكثر صدامية وحساسية.






