تواصل هيئات المحامين بالمغرب تصعيدها الاحتجاجي ضد مشروع إصلاح مهنة المحاماة الذي يقوده وزير العدل عبد اللطيف وهبي، في خطوة أدت إلى شلل واسع داخل المحاكم، وأعادت إلى الواجهة نقاشًا حادًا حول حدود السلطة التنفيذية واستقلال مهنة الدفاع.
ففي الرباط، خرج مئات المحامين، يوم الأربعاء، في وقفة احتجاجية أمام وزارة العدل، تعبيرًا عن رفضهم لما يعتبرونه محاولة للمساس بجوهر المهنة وتقويض استقلاليتها، في وقت شهدت فيه عدد من مدن المملكة وقفات مماثلة، تزامنًا مع إضراب وطني دعت إليه جمعية هيئات المحامين بالمغرب، يمتد إلى غاية 30 يناير الجاري.
وألقى هذا التصعيد بظلاله المباشرة على سير العدالة، حيث سجلت عدة محاكم اضطرابات كبيرة، وصلت في حالات عديدة إلى شلل شبه تام، بعد خمسة أيام متتالية من التوقف عن العمل. كما تأثر المتقاضون بشكل مباشر جراء تأجيل الجلسات وتعليق البت في ملفاتهم، ما زاد من حدة الاحتقان.
ويرى المحامون أن لجوءهم إلى الإضراب، رغم كلفته المادية والمهنية، يأتي باعتباره آخر وسيلة ضغط متاحة أمام مهنة تشعر بأنها مستهدفة. ويتركز الاعتراض أساسًا حول مشروع القانون رقم 66.23، الذي صادق عليه المجلس الحكومي وأُحيل على البرلمان، والذي يعتبره المحامون تهديدًا مباشرًا لاستقلالية الهيئات المهنية.
وفي هذا السياق، أكد عمر بنجلون، المحامي بهيئة الرباط وعضو جمعية هيئات المحامين بالمغرب، أن الإصلاح المقترح يهدف، في جوهره، إلى إخضاع المحامين لوصاية وزارة العدل، معتبرًا أن ما يجري هو “محاولة للهيمنة على سلطة الدفاع وربطها بالسلطة التنفيذية”، وهو ما يشكل، بحسبه، خطرًا على دولة الحق والقانون وضمانات المحاكمة العادلة.
وشبّه عدد من المحامين المشروع المعروض بـ”انقلاب تشريعي”، وهو توصيف يتكرر بقوة في شعارات وبيانات المحتجين، في ظل قناعة واسعة داخل الجسم المهني بأن النص يمس بمكتسبات راكمها المغرب في مجال حقوق الإنسان والحريات.
وتعود جذور هذا الصدام، بحسب مهنيين، إلى مسار تفاوضي اتسم بالغموض وسوء الفهم. فقد أعلن وزير العدل، في نهاية أكتوبر الماضي، عن التوصل إلى توافق مع الهيئات المهنية قبل إحالة المشروع على الحكومة، غير أن الكشف عن الصيغة النهائية للنص فجّر موجة غضب واسعة داخل صفوف المحامين، الذين اعتبروا أن مضامين أساسية أُدرجت دون تشاور مسبق.
وفي مقابل رواية الوزارة، التي تؤكد أن المشروع يعكس ما تم الاتفاق عليه، نشرت جمعية هيئات المحامين توضيحًا مطولًا نفت فيه علمها ببعض المقتضيات المثيرة للجدل، مؤكدة أن النقاش الحقيقي لم يتم سوى خلال اجتماعين عقدا في نونبر ودجنبر 2025، دون أن يفضيا إلى توافق نهائي، قبل أن تمضي الوزارة قدمًا في المسطرة التشريعية.
وتتهم الجمعية وزير العدل بتجاهل مقترحات المحامين، معتبرة أن المشاورات لم تكن سوى شكلية، وأن المشروع أُحيل على الأمانة العامة للحكومة قبل استكمال النقاش المهني، ما عمّق فقدان الثقة بين الطرفين.
وأمام هذا الوضع، تتباين السيناريوهات المحتملة، بين إصرار الحكومة على تمرير النص مستفيدة من أغلبيتها البرلمانية، أو فتح باب التعديلات داخل البرلمان في أفق تسوية جزئية، أو سحب المشروع وإعادة صياغته، وهو خيار يُنظر إليه داخل الأوساط السياسية كتنازل ثقيل الكلفة بالنسبة لوزير العدل.
وتشمل نقاط الخلاف الأساسية شروط الولوج إلى المهنة، والمسار التكويني الجديد للمحامين الشباب، إضافة إلى النظام التأديبي، الذي يمنح، وفق المعارضين، هامش تدخل أوسع للنيابة العامة ووزارة العدل في شؤون المهنة.
وبين إصرار الوزارة وتشبث المحامين بموقفهم، يبدو أن المواجهة مرشحة لمزيد من التصعيد، في وقت يطرح فيه هذا النزاع أسئلة عميقة حول توازن السلط، ومستقبل استقلال مهنة الدفاع داخل المنظومة القضائية المغربية.






