رماد الشاوية وسيول الشمال يفضحان هشاشة إنقاذ الفلاحين

في الوقت الذي تراهن فيه الخطابات الرسمية على تقديم صورة متفائلة عن الموسم الفلاحي، تكشف المعطيات القادمة من الحقول عن واقع قاس يعيشه آلاف الفلاحين الصغار والمتوسطين، بعدما تحولت أمطار الخير في مناطق إلى فيضانات مدمرة، وانقلب موسم الحصاد في مناطق أخرى إلى رماد بفعل حرائق أتت على آلاف الهكتارات.

ففي مناطق الشمال والغرب، لم تدم فرحة الفلاحين بالتساقطات المطرية طويلاً، بعدما غمرت السيول مساحات واسعة من الأراضي الفلاحية لأسابيع، متسببة في إتلاف محاصيل كان يعول عليها لإنعاش الاقتصاد القروي بعد سنوات من الجفاف. وبدل أن تتحول السنة الحالية إلى فرصة لإنقاذ الفلاحين، وجد كثيرون أنفسهم أمام خسائر ثقيلة دون تدخل سريع وفعال يحد من آثار الكارثة.

وفي جهة الشاوية، التي عرفت موسماً استثنائياً من حيث وفرة وجودة السنابل، جاءت الحرائق لتلتهم جزءاً واسعاً من المحاصيل الجاهزة للحصاد. ففي إقليم سطات وحده، أتت النيران على ما يقارب أربعة آلاف هكتار من الحقول، كما تسببت في نفوق رؤوس من الأغنام والأبقار، في مشاهد خلفت صدمة كبيرة وسط الساكنة القروية.

وسجل فلاحون، بمرارة، أن ضعف سرعة التدخل وغياب الوسائل الكافية ساهما في اتساع رقعة الحرائق، مؤكدين أن تدخل المواطنين بجراراتهم وإمكاناتهم البسيطة ساعد على الحد من امتداد النيران. وقد ازدادت الفاجعة قسوة بعد تسجيل حالتي وفاة بإقليم سطات في صفوف متطوعين حاولوا مواجهة ألسنة اللهب، ما حول الخسائر من أضرار فلاحية إلى مأساة إنسانية واجتماعية.

وفي ظل هذا الوضع، ينتظر المتضررون تحركاً حكومياً واضحاً لتعويض الخسائر وطمأنة الفلاحين، خاصة مع اتساع الحديث عن ضعف التغطية التأمينية. ووفق معطيات ميدانية، فإن عدداً محدوداً جداً من فلاحي إقليم سطات يتوفرون على تأمين ضد مخاطر الحرائق، بسبب الكلفة المرتفعة والشروط الصعبة، ما ترك الغالبية الساحقة دون شبكة حماية.

وتزداد معاناة الفلاحين مع ارتفاع كلفة الإنتاج وتراجع أسعار البيع. فقد ارتفعت تكاليف الحرث والبذور والأسمدة والمبيدات واليد العاملة، بينما قفزت أسعار آلات الحصاد إلى ما بين 500 و700 درهم للهكتار، بعدما كانت في حدود 300 درهم خلال سنوات سابقة. كما أصبحت كلفة ربط بالة التبن الواحدة تتراوح بين 3 و4 دراهم، في حين تباع في السوق بنحو 10 دراهم، وسط استفادة أكبر للوسطاء وأصحاب الآليات.

أما في أسواق البيع، فقد تلقى الفلاحون صدمة إضافية، بعدما تراجعت الأسعار إلى مستويات لا تغطي كلفة الإنتاج. فالشعير يباع ما بين درهم ودرهم ونصف للكيلوغرام، والفارينة بين درهم ونصف ودرهمين، والقمح بين درهمين ودرهمين و25 سنتيماً، بينما تراوح سعر العدس الرومي بين 4 و5 دراهم، واستقر العدس البلدي عند 8 دراهم، في حين تضرر محصول الحمص بشكل واسع بسبب قوة التساقطات وتعفن الجذور.

وتكشف هذه المعطيات عن اختلال عميق في منظومة حماية الفلاح الصغير، الذي يتحمل وحده كلفة الكوارث الطبيعية وتقلبات السوق وارتفاع كلفة الإنتاج وجشع الوسطاء. فغياب دعم مباشر وفعال، وتأخر تفعيل آليات التعويض، وضعا آلاف الأسر القروية أمام خطر الإفلاس وفقدان مصدر العيش.

وتعيد هذه الأزمة النقاش حول جدوى البرامج الفلاحية المتعاقبة، ومدى قدرتها على حماية الأمن الغذائي وصون كرامة الفلاحين الصغار. فرغم الملايير التي رصدت للقطاع، ما زالت فئات واسعة من المنتجين تواجه الفيضانات والحرائق والديون دون حماية كافية، في وقت ترتفع فيه أسعار المنتجات الأساسية وتتعثر قدرة الأسر المغربية على اقتناء حاجياتها، بما في ذلك أضحية العيد.

وأمام رماد الشاوية وسيول الشمال والغرب، تبدو الحاجة ملحة إلى تدخل حكومي عاجل، يفتح باب التعويضات، ويفعل صناديق الكوارث، ويعيد النظر في شروط التأمين الفلاحي، مع فتح بحث ميداني حول أسباب بطء التدخلات في مواجهة الحرائق والفيضانات. فحماية السلم الاجتماعي في العالم القروي تبدأ من حماية جيب الفلاح وكرامته، قبل أن يتحول الغضب الصامت في الحقول إلى أزمة أعمق.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك