تحول مشروع قانون مهنة المحاماة إلى قنبلة سياسية ومهنية داخل الأغلبية الحكومية، بعدما فجرت المصادقة عليه غضبا واسعا في صفوف المحامين، وأطلقت موجة استقالات حزبية، ووضعت مصالح المواطنين والجالية والمستثمرين أمام خطر التأخر والتعثر داخل المحاكم.
وتحول النص، الذي كان يفترض أن يستكمل مساره التشريعي داخل البرلمان، إلى مصدر غليان داخل الجسم المهني للمحاماة، وداخل مكونات الأغلبية الحكومية نفسها، بعدما اعتبرت هيئات وتنظيمات مهنية أن الصيغة المصادق عليها لا تستجيب للتفاهمات السابقة، وتمس بضمانات استقلالية المهنة وحصانتها، في وقت تشهد فيه المحاكم ضغطا متزايدا مع بداية العطلة القضائية وتوافد مغاربة العالم على أرض الوطن لقضاء مصالحهم الإدارية والقضائية.
وجاء الرد المهني للمحامين قويا ومباشرا، عقب مصادقة مجلس المستشارين، مساء الثلاثاء، على مشروع القانون، حيث تلا رئيس جمعية هيئات المحامين بالمغرب بيانا تصعيديا خلال الاعتصام الذي خاضه المحامون أمام البرلمان، تضمن قرارات احتجاجية قوية، من أبرزها التوقف الشامل عن تقديم الخدمات المهنية، مع الإعلان عن تفعيل إجراءات الترافع الدولي قبل 15 يوليوز 2026، دفاعا عما وصفته الهيئات باستقلالية وحصانة المحاماة بالمغرب.
هذا التصعيد فتح الباب أمام أزمة واسعة داخل قطاع العدالة، لاسيما أن قرار التوقف عن تقديم الخدمات المهنية ستكون له انعكاسات مباشرة على سير القضايا، وعلى مصالح المرتفقين الذين ينتظرون مواعيد الجلسات، أو يتابعون ملفات مدنية وتجارية وأسرية وجنائية، إلى جانب مقاولين ومستثمرين ترتبط مصالحهم بنزاعات تجارية وعقارية ومالية معروضة أمام المحاكم.
وتزداد حساسية الوضع مع حلول فترة الصيف، التي تعرف عودة أعداد مهمة من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج، حيث يحتاج كثير منهم إلى تتبع ملفات قضائية، أو إنجاز إجراءات مرتبطة بالعقار والأسرة والإرث والتجارة. وفي ظل التصعيد المهني للمحامين، يخشى أن يجد هؤلاء أنفسهم أمام تعثر إضافي في مصالحهم، في ظرف يعرف أصلا ضغطا على الإدارات والمحاكم.
وبحسب مصادر مطلعة تحدثت لموقع “هاشتاغ”، فإن تداعيات مشروع قانون المحاماة انتقلت إلى عمق الأغلبية الحكومية، حيث يسود توتر واضح بين مكوناتها، وصل إلى تبادل اتهامات بين زعماء التحالف الحكومي بشأن طريقة تدبير النص، ومآلاته السياسية داخل فئة مهنية لها وزن انتخابي وتنظيمي معتبر.
وتشير المصادر ذاتها إلى أن اجتماعا عقده قياديون من الأغلبية، الأسبوع الماضي بالرباط، عرف نقاشا حادا حول تداعيات مشروع القانون، في ظل اتهامات متبادلة بين أطراف سياسية بمحاولة توظيف غضب المحامين في صراعات داخلية.
ووفق المصادر نفسها، فقد لوح أحد حزب عضو بالتحالف الحكومي بالانخراط بقوة في الدفع نحو تشكيل لجنة برلمانية لتقصي الحقائق حول دعم الأغنام، في حال استمرار ما وصفه بتحريض المحامين ضد مشروع قانون مهنة المحاماة.
وتتحدث مصادر موقع “هاشتاغ” عن حزب عضو في الأغلبية يحاول استثمار هذا التوتر لصالحه، عبر الظهور بموقع التنظيم البعيد عن مسؤولية تمرير النص، والساعي إلى الحفاظ على صورته لدى فئة المحامين، خاصة أن البلاد مقبلة على استحقاقات انتخابية في شتنبر 2026، حيث تتحول كل فئة مهنية إلى كتلة ناخبة ذات وزن داخل الحسابات الحزبية.
وما زاد من حدة الإرباك داخل الأغلبية، صدور مواقف رافضة من تنظيمات مهنية محسوبة على أحزاب حكومية. فقد عبرت رابطة المحامين الاستقلاليين ومنظمة المحامين التجمعيين عن رفضهما لمشروع القانون، واعتبرتا أن النص يشكل تراجعا تشريعيا، محملتين المسؤولية السياسية في تمريره بالأغلبية العددية لوزير العدل عبد اللطيف وهبي.
وفي المقابل، نقلت ذات المصادر لموقع “هاشتاغ” أن وزير العدل عبد اللطيف وهبي عبر أمام عدد من البرلمانيين، خلال يومي الاثنين والثلاثاء، عن امتعاضه من مواقف بعض حلفاء حزبه داخل الأغلبية، معتبرا أن المشروع سيمضي في مساره داخل المؤسسة التشريعية، ومعلقا بلهجة حادة: “وللي بغا يمشي للاهاي الله يعاونو”.
وتحولت الساعات التي تلت المصادقة على مشروع القانون إلى لحظة احتجاج حزبي مفتوح، بعدما أعلن عدد من المحامين المنتمين إلى أحزاب الأغلبية، خاصة حزبي الأصالة والمعاصرة والاستقلال، استقالاتهم من تنظيماتهم السياسية، ونشر بعضهم قرارات الاستقالة على مواقع التواصل الاجتماعي، احتجاجا على ما اعتبروه إخلالا بالالتزامات التي رافقت المشاورات الأولى حول النص.
وتحمل هذه الاستقالات رسالة سياسية ثقيلة إلى قيادة أحزاب الأغلبية، لأنها صدرت من داخل فئة مهنية تعرف تفاصيل النقاش القانوني والتشريعي، وتملك حضورا داخل المحاكم والهيئات المنتخبة والتنظيمات الحزبية. كما أن اتساعها قد يضع هذه الأحزاب أمام حرج انتخابي، خاصة في ظل تزامن الأزمة مع اقتراب موعد الاستحقاقات المقبلة.
وفي الوقت الذي يتصاعد فيه غضب المحامين، تتجه الأنظار إلى المحكمة الدستورية بعد إحالة مشروع القانون عليها من طرف رئيس مجلس النواب، وهي إحالة تمنح الأزمة بعدا مؤسساتيا جديدا، وتفتح مرحلة انتظار داخل الجسم المهني، في أفق معرفة موقف المحكمة من مدى انسجام النص مع الدستور.
وتأتي هذه الإحالة في وقت راجت فيه أخبار عن رغبة عدد من البرلمانيين في الطعن في القانون أمام المحكمة الدستورية، بهدف وقف دخوله حيز التنفيذ إلى حين اتضاح مآلات المرحلة السياسية المقبلة. وفي المقابل، ترى مصادر مطلعة أن هذا المسار قد يصطدم بالتزامات دولية للمغرب، يرتقب عرضها قبل نهاية السنة.
وكانت لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس المستشارين قد صادقت، في قراءة ثانية، مساء الثلاثاء، على مشروع القانون المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، بموافقة ستة مستشارين برلمانيين، مع تسجيل حالة امتناع واحدة ودون تسجيل أي صوت رافض، في محطة قربت النص من استكمال مساره التشريعي داخل البرلمان.
ويدخل مشروع قانون مهنة المحاماة مرحلة حاسمة، قد تحدد مستقبل العلاقة بين الحكومة والجسم المهني للمحاماة، كما قد ترسم حدود الأزمة داخل قطاع العدالة، حيث لا يقف أثر التصعيد عند المحامين وحدهم، وإنما يمتد إلى المواطن والمستثمر والجالية وكل من ينتظر عدالة سريعة وفعالة ومنتظمة.
