وثائق إسبانية صادمة تفضح أسرار عبد الكريم الخطابي.. هل بُنيت الأسطورة على نصف الحقيقة؟

ينتظر أن يحدث كتاب “محمد بن عبد الكريم الخطابي.. الأسطورة والحقيقة”، رجّة قوية في نقاش الذاكرة التاريخية بالمغرب بعدما وضع أمام القارئ وثائق ومراسلات إسبانية تكشف وجها مغايرا من مسار قائد حرب الريف، وتدفع نحو إعادة فحص صورة ظلت لعقود محاطة بالتبجيل والقراءات البطولية المغلقة.

الإصدار المرتقب نزوله للأكشاك خلال الأيام المقبلة، والصادر عن مؤسسة “مونافريك برودكوم”، لا يكتفي بإعادة سرد سيرة الخطابي وإنما يقدم نفسه كعمل توثيقي يواجه الرواية السائدة بوثائق ومراسلات رسمية تتناول علاقاته المبكرة بالإدارة الإسبانية، وما رافقها من ارتباطات وظيفية وسياسية ومالية سبقت انتقاله إلى قيادة المواجهة المسلحة ضد الوجود الاستعماري.

وتورد الصفحات الأولى من الكتاب معطيات تفيد بأن الخطابي ووالده كانا قريبين من بنية الإدارة الإسبانية في مليلية عبر وظائف وتسهيلات وامتيازات شملت السفر والتنقل والدراسة والدعم المالي وفق الوثائق التي اعتمد عليها معدو العمل.

ويعرض الكتاب كذلك مراسلات تتحدث عن طلبات مرتبطة بالحصول على الجنسية الإسبانية، ووثائق تشير إلى إشادات إدارية بما وصفته تلك المراسلات ب”ولاء” عبد الكريم الخطابي للإسبان في مرحلة مبكرة من مساره، قبل أن تتغير علاقته بالسلطات الاستعمارية لاحقا مع تبدل المصالح وموازين القوة في الريف.

ويذهب معدو الكتاب إلى أن هذه المعطيات تفرض إعادة فتح ملف “الأسطورة المصنوعة”، معتبرين أن صورة عبد الكريم الخطابي جرى بناؤها تاريخيا عبر انتقاء وقائع محددة وإبعاد وقائع أخرى بما ساهم في تكريس رواية بطولية مغلقة حول الرجل.

ويرى العمل أن عددا من الكتابات التي تناولت حرب الريف قدمت الخطابي بوصفه بطلا معصوما من النقد، في حين تكشف الوثائق حسب مضمون الإصدار أن بداياته ارتبطت بشبكة مصالح نسجتها إسبانيا داخل المنطقة وأنه استفاد من قربه من إدارتها قبل أن يتحول لاحقا إلى خصم عسكري وسياسي لها.

وتناول الكتاب معطيات مرتبطة بدعم إسباني استفاد منه عبد الكريم الخطابي في مجالات التنقل والعمل والحماية إلى جانب علاقات مع شخصيات عسكرية وإدارية نافذة، وهي عناصر يعتبرها معدو الإصدار كافية لإعادة فحص السردية المتداولة حول بداياته ومساره السياسي.

ويمضي الكتاب في نقد التوظيف السياسي لسيرة الخطابي خاصة من طرف بعض الحركات الريفية والتيارات الإيديولوجية التي حولته إلى رمز فوق النقاش والمراجعة، بما جعل شخصيته محاطة بهالة تمنع مساءلة بعض جوانبها التاريخية.

ويشدد معدو العمل على أن نشر هذه الوثائق لا يستهدف الريف ولا تاريخ المقاومة وإنما يروم إعادة النقاش إلى الوثيقة والأرشيف، وفصل الوقائع المثبتة عن القراءات العاطفية التي تراكمت حول شخصية الخطابي عبر عقود.

وتكشف وثائق ومراسلات إسبانية رسمية تعود إلى الفترة الممتدة ما بين 1902 و1916 عن تفاصيل مثيرة حول طبيعة العلاقة التي جمعت أسرة محمد بن عبد الكريم الخطابي بالإدارة الاستعمارية الإسبانية في الريف قبل أن يتحول الخطابي لاحقاً إلى أحد أبرز رموز المقاومة والتحرر في شمال إفريقيا.

الوثائق، التي أوردها عدد من الباحثين والمؤرخين الإسبان، من بينهم المؤرخة الإسبانية Maria Rosa de Madariaga، تتحدث عن شبكة من المراسلات الرسمية بين سلطات الاحتلال الإسباني وعبد الكريم الخطابي الأب ثم ابنه محمد بن عبد الكريم الخطابي، وتكشف عن تعاون إداري وسياسي وأمني مع السلطات الإسبانية خلال السنوات الأولى من القرن العشرين.

وتفيد المعطيات الواردة في هذه الوثائق أن الإدارة الإسبانية قدمت امتيازات وتسهيلات لعبد الكريم الخطابي الأب بينها تسهيلات في التنقل بين مليلية والحسيمة والحصول على جوازات مرور بحرية على متن البواخر الإسبانية، إضافة إلى دعم مالي وخدمات إدارية مرتبطة بعمله داخل ديوانة مليلية.

كما يكشف الكتاب أن محمد بن عبد الكريم الخطابي اشتغل لفترة ضمن المنظومة الإدارية والإعلامية المرتبطة بالإسبان، حيث تشير بعض المراسلات إلى عمله مترجماً وصحفياً ومدرساً للغة العربية لفائدة الإدارة الاستعمارية فضلاً عن ارتباطه بجريدة إسبانية كانت تصدر في مليلية تحت اسم “تلغراما ديل ريف”.

ويورد المؤلف أيضاً مراسلات تتعلق بطلبات تقدمت بها أسرة الخطابي للحصول على الجنسية الإسبانية، إلى جانب مطالب بالحصول على رواتب وتعويضات مالية، بل إن بعضها يتحدث عن شكاوى رفعها عبد الكريم الخطابي ضد ما وصفه بالمخزن المغربي وطلبه دعماً مباشراً من السلطات الإسبانية.

وفي واحدة من أكثر النقاط إثارة، تتحدث الوثائق عن علاقة وثيقة جمعت عبد الكريم الخطابي الأب ببعض القادة العسكريين الإسبان، وعن تنسيق وتحركات مرتبطة بنزع سلاح المقاومة في بعض مناطق الريف، فضلاً عن تبادل الرسائل مع الحاكم العسكري الإسباني بمليلية.

وتشير بعض المراسلات إلى تهديد عبد الكريم الخطابي للإسبان بوقف خدماته إن لم يتم صرف مستحقاته المالية بينما تكشف وثائق أخرى عن اعتقال وسجن ابنه محمد بن عبد الكريم الخطابي لفترة قصيرة بعد توتر العلاقة بين الطرفين، قبل أن تعود الاتصالات والتفاهمات من جديد.

ورغم أن هذه الوثائق تسلط الضوء على مرحلة معقدة من تاريخ الخطابي فإن عدداً من الباحثين يؤكدون أن قراءة تلك المرحلة يجب أن تتم في سياقها التاريخي والسياسي، خاصة أن منطقة الريف كانت تعيش آنذاك صراعاً متعدد الأطراف بين القوى الاستعمارية والقبائل المحلية والمخزن المغربي.

ومن المنتظر أن يثير الكتاب ردود فعل قوية، لاسيما لدى من يعتبرون عبد الكريم الخطابي رمزا وطنيا بارزا في مقاومة الاستعمار، فيما قد يرى آخرون أن هذا الإصدار يفتح بابا ضروريا لتفكيك الروايات الجاهزة حول مرحلة حساسة من تاريخ المغرب الحديث.

ويضع كتاب “الأسطورة والحقيقة اسم محمد بن عبد الكريم الخطابي في قلب نقاش الذاكرة، حيث تتحول الوثيقة التاريخية إلى أداة لمساءلة الصور المتوارثة وإعادة قراءة مسار رجل ظل لعقود عنوانا للمقاومة والجدل السياسي.
ولنا عودة بالتفصيل لمضمون الكتاب…

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك