وزراء “حكومة أخنوش” يغرقون في القصر الكبير!

دخلت الحكومة، مرة أخرى، دائرة الصمت المقلق في لحظة يفترض فيها أعلى درجات الوضوح والمسؤولية، بينما تتفاقم أزمة الفيضانات وتتحول مدينة القصر الكبير إلى عنوان مفتوح على الخطر.

فمع ارتفاع منسوب المياه وتهديد أحياء كاملة بالغرق، ظل التواصل الحكومي شبه منعدم، وكأن الكارثة تقع خارج المجال العمومي.

ورغم أن مجلس الحكومة يُرتقب أن يتدارس مرسوما يهم تصنيف السدود ورصد سلامتها، فإن الواقع الميداني سبق الوثائق والنوايا، وفرض أسئلة حارقة حول الجاهزية، والتدبير الاستباقي، وحدود المسؤولية السياسية.

فالفيضانات التي اجتاحت القصر الكبير، وامتد خطرها إلى مناطق أخرى مثل سيدي قاسم ومشرع بلقصيري وشفشاون، جاءت في سياق حمولة قياسية لسدي وادي المخازن والوحدة، وتساقطات مطرية متواصلة، دون أن يقابلها خطاب رسمي يشرح أو يطمئن.

لقد غاب رئيس الحكومة عزيز أخنوش عن أي خرجة تواصلية تواكب خطورة الوضع، كما لم يصدر عن الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى بايتاس أي توضيح يضع الرأي العام أمام حقيقة ما يجري.

وحتى وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، ورغم أن المصالح التابعة لوزارته والقوات المسلحة الملكية تنفذ عمليات الإجلاء والإيواء، ظل حضوره محصورا في تدبير الأزمة عن بعد دون مواكبة تواصلية بحجم الكارثة.

غير أن الغياب الأكثر إثارة للاستفهام يظل غياب وزير التجهيز والماء نزار بركة، وهو الوزير المكلف مباشرة بملف السدود والأحواض المائية، حيث أن الرجل يوجد في قلب الاختصاص الحكومي المرتبط بأسباب الفيضانات وتداعياتها، ويُنتظر منه، بحكم موقعه، تقديم معطيات دقيقة حول سلامة المنشآت المائية، وحول أسباب ما وقع، وحول السيناريوهات المحتملة. إلا أن حضوره ظل منعدما في لحظة تتطلب وضوحا ومساءلة.

ويزداد هذا الغياب ثقلاً عندما يتعلق الأمر بمدينة القصر الكبير، التابعة لإقليم العرائش، وهي الدائرة التي حملت اسم نزار بركة إلى البرلمان سنة 2021، حيث أت الرجل قاد لائحة حزب الاستقلال هناك، وجال المدينة وجماعاتها ودواويرها طلبا للثقة الانتخابية، قبل أن يغادر مقعده البرلماني بعد أسابيع قليلة ليتولى حقيبة وزارة وُصفت حينها بأنها من أكثر القطاعات حساسية.

اليوم، تغرق المدينة التي منحته الشرعية الانتخابية، بينما يغيب صوت الوزير الذي يفترض أن يشرح ويُحاسَب.

هذا الصمت لا يمكن عزله عن نمط تدبير يتعامل مع التواصل باعتباره عنصرا ثانويا، يُستحضر عند الحاجة ويُغيب عند الأزمات الثقيلة، حيث أن الساكنة المتضررة لا تطالب بالخطابات، بل بالمعطيات، وبالمسؤول الذي يخرج ليقول ماذا حدث، ولماذا حدث، وماذا سيُفعل لتفادي الأسوأ.

إن الفيضانات الحالية تمثل اختبارا حقيقيا لجدية الحكومة في تدبير المخاطر، ولقدرة الوزراء المعنيين على تحمل مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية.

وعندما يغيب وزير التجهيز والماء عن واجهة الحدث في لحظة تغرق فيها مدينة بكاملها، تتحول الواقعة إلى مساءلة سياسية صريحة عنوانها تحمّل المسؤولية لا تبرير الصمت. فالصمت هنا أضحى كلفة سياسية وأخلاقية تُدفع من أمن المواطنين واستقرار المدن، حين يصبح منسوب الماء أعلى من أي خطاب، وأثقل من كل تبرير.