بقلم ابو مهدي
لم يعد مقبولا أن تستمر بعض الواجهات المحسوبة على اليسار، وعلى رأسها مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، في تقديم نفسها كضمير نقدي للحياة السياسية، بينما هي في العمق عاجزة عن ممارسة النقد الذاتي، فالمؤسسة التي يفترض أن تحمل إرثا نضاليا وفكريا ثقيلا، تحولت إلى فضاء مغلق يعيد إنتاج نفس الوجوه ونفس الخطابات، بعيدا عن أي تجديد حقيقي أو مساءلة جادة.
إن اللقاءات التي ترفع شعار “إعادة المعنى للعملية الانتخابية” تبدو في ظاهرها مبادرة فكرية، لكنها في العمق محاولة لإعادة تدوير نفس النخب التي كانت جزءا من الأزمة، بل إن المفارقة الصارخة هي أن من يتحدث اليوم عن فقدان الثقة في السياسة، هم أنفسهم من تولوا مسؤوليات حكومية في مراحل سابقة.
وساهموا بشكل مباشر في تكريس هذا التراجع،
فلا يمكن إقناع الرأي العام بخطاب جديد، بينما نفس الفاعلين الذين تقلدوا مناصب وزارية، وكانوا جزءا من تدبير الشأن العام، يعودون اليوم لتقديم الدروس في الإصلاح السياسي، دون أي تقييم صريح لتجربتهم، أو اعتراف بمحدودية ما قدموه، وهو ما يجعل خطابهم فاقدا للمصداقية من الأساس.
الأكثر إثارة للانتباه، هو حضور أصوات ظلت إلى وقت قريب تدافع عن الإسلاميين، وتقدمهم كقوة إصلاحية، بل وتمنحهم شرعية سياسية وأخلاقية، قبل أن يتضح للجميع حجم الاختلالات التي رافقت تلك المرحلة، ومع ذلك، لا نجد اليوم أي نقد ذاتي واضح، بل مجرد انتقال مريح إلى موقع المنتقد، وكأن الذاكرة الجماعية يمكن تجاوزها بسهولة.
هذا النوع من التحولات لا يمكن اعتباره مراجعة فكرية، بل يعكس براغماتية مفرطة تقترب من الانتهازية، حيث يتم تغيير المواقع حسب الظرف، دون تحمل كلفة المواقف السابقة، وهو ما يضرب في العمق ما تبقى من ثقة في الخطاب اليساري، ويجعله يبدو مجرد خطاب ظرفي لا يستند إلى ثوابت واضحة.
كما أن محاولة اختزال الأزمة في “ضعف المشاركة” أو “تشوه العملية الانتخابية” هو تبسيط مخل، لأن جوهر الأزمة سياسي بالدرجة الأولى، مرتبط بنخب لم تستطع أن تقدم بديلا حقيقيا، ولا أن تمارس معارضة فعالة، ولا أن تنجح في التدبير حين أتيحت لها الفرصة، وهي مسؤولية لا يمكن القفز عليها بشعارات عامة.
أما مؤسسة عبد الرحيم بوعبيد، فقد أصبحت تعكس هذا التناقض بشكل واضح، حيث تحولت إلى ما يشبه نادي مغلق، تدور داخله نفس الأسماء، ويتم فيه إعادة إنتاج نفس النقاشات، دون انفتاح حقيقي على طاقات جديدة أو أفكار مختلفة، مما أفقدها دورها كفضاء للنقاش الحر، وحولها إلى إطار نخبوي محدود التأثير.
إن هذا الانغلاق لا يعكس فقط أزمة تنظيم، بل يكشف عن خلل أعمق في تصور العمل السياسي، حيث يتم تفضيل الانسجام الداخلي على حساب الجرأة في النقد، ويتم تجنب الأسئلة الصعبة المرتبطة بالمسؤولية السياسية، خاصة بالنسبة لمن كانوا في مواقع القرار وساهموا، بشكل أو بآخر، في تكريس الوضع الحالي.
ما يجب ان يفهمه هذا البعض من اليسار انه لا يمكن الحديث عن إعادة المعنى للعملية السياسية، في ظل نفس الوجوه ونفس الأساليب، لأن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالاعتراف، وبالمحاسبة، وبفتح المجال أمام نفس جديد، أما الاستمرار في إعادة تدوير نفس النخب التي جربت وفشلت، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة، وتكريس فقدان الثقة بشكل أكبر،