5 آلاف طن من الوعود.. السردين يتحول إلى بروباغندا رسمية ويفضح عجز الحكومة أمام لوبيات السوق!

قبل رمضان بأيام، تقف زكية الدريوش كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري أمام عدسات الكاميرات في سوق تامسنا لتعلن النسخة الثامنة من “حوت بثمن معقول”.

البلاغ يقول 5 آلاف طن، 47 مدينة، 1100 نقطة بيع. لغة مطمئنة، أرقام منتفخة، ووعود جاهزة للاستهلاك الإعلامي.

لكن في الأسواق الشعبية، حيث يُقاس الصدق بالدرهم لا بالبلاغ، يظل السؤال واحداً: لماذا يحتاج المغاربة إلى مبادرة موسمية ليشتروا سمكهم بثمن عادل في بلد يسبح في بحرين؟

المشهد يتكرر كل عام. قبيل رمضان، تتحرك الحكومة فجأة لإنقاذ القدرة الشرائية، وكأن الغلاء لا يعيش معنا سوى في هذا الشهر.

السردين، الذي كان يوماً “سمك الفقراء”، صار اليوم ضيفاً على مبادرة رسمية، يُسوَّق على أنه إنجاز استثنائي.

أي مفارقة أقسى من أن يتحول أبسط منتوج بحري إلى مادة احتفالية؟

البلاغ يتحدث عن توسيع التغطية، عن تنسيق مؤسساتي، عن مراقبة صارمة من “أونسا”.

جميل.

لكن ماذا عن الفارق الصادم بين ثمن السمك عند خروجه من الميناء وثمنه عند وصوله إلى المستهلك؟ ماذا عن الوسطاء الذين يلتهمون الربح؟ ماذا عن سوق فقدت توازنها منذ سنوات ولم تفلح أي خطة في ضبطها؟

أن تُطلق مبادرة لتسويق السمك المجمد ليس خطأ. الخطأ أن تتحول إلى مسكّن موسمي يُقدم كحل جذري.

الخطأ أن يُطلب من المواطن أن يصفق لأن السردين أصبح “متاحاً بثمن معقول” لبضعة أسابيع، بينما يظل باقي السنة خارج متناول كثيرين.

الحقيقة المؤلمة أن المشكلة ليست في عدد الأطنان ولا في عدد المدن. المشكلة في نموذج توزيع مختل، وفي عجز مزمن عن فرض الشفافية في مسار المنتوج من البحر إلى الطاولة.

وعندما يُترك أصل الداء بلا علاج، تصبح المبادرات مجرد عناوين لامعة تخفي جرحاً مفتوحاً.

المغاربة لا يحتاجون إلى حفل تذوق ولا إلى شعارات موسمية. يحتاجون إلى سوق عادلة، إلى ثمن مفهوم، إلى دولة تضمن أن خيرات البحر لا تتحول إلى رفاهية.

وما لم يتحقق ذلك، ستبقى كل نسخة جديدة من “حوت بثمن معقول” محاولة أخرى لتجميل واقع يعرفه الجميع… ويعيشه المواطن كل يوم.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك