ادريس لشكر وأسرار الأبواب الخلفية لوزارة الداخلية

في ممرات السياسة المعتمة، لا تمر الكلمات خفيفة، ولا تُفتح الأبواب بلا دلالة، ولا تتحول مشقة الصعود داخل مقر “أم الوزارات” إلى مادة للتندر بين زعماء الأحزاب من دون أن تختبئ خلفها رسائل تنتظر من يلتقطها.

هذا ما وقع صباح الثلاثاء 14 يوليوز 2026 داخل مقر وزارة الداخلية بالرباط، حيث كان وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت يفتتح اجتماعه مع قادة الأحزاب السياسية استعدادا لانتخابات 23 شتنبر المقبل.

قبل أن يبدأ الحديث عن القوانين واللوائح والانتخابات، اختار إدريس لشكر الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أن يفتتح الاجتماع بطريقته الخاصة، موجها كلامه إلى وزير الداخلية: “هاد المرة دخلتونا لوزارة الداخلية من هاد الباب الخلفي وتعبتونا بهاد كثرة الدروج اللي طلعنا فيهم حتى وصلنا لهنا”.

ابتسم عبد الوافي لفتيت، ورد بسرعة: “سي إدريس مرحبا بيك، وإذا بغيتو كلكم أيها زعماء الأحزاب نفرشو ليكم الزرابي الحمراء من باب بيوتكم حتى لوزارة الداخلية، ما عدنا حتى مشكل”.

بدا أن الحكاية انتهت هنا… لكنها في الحقيقة بدأت من هنا.

فأحد زعماء أحزاب المعارضة الذي كان يتابع الحوار طلب الكلمة، وشكر وزير الداخلية ثم قال: “يبدو أن وزارة الداخلية فعلا تطبق من الآن هاداك الشعار ديال الوقوف على مسافة واحدة بين كل الأحزاب، والدليل يا سيد الوزير أن هاد المرة دخلنا جميعا من نفس الباب وطلعنا من نفس الدروج، وهو ما كنا نفعله دائما في وزارة الداخلية، فكل مرة كنا كنجيوا كندخلوا من هاد الباب ومن هاد الدروج”.

في تلك اللحظة تحولت كلمات إدريس لشكر إلى فخ سياسي أحكمه بلسانه قبل أن يقع فيه أمام الجميع بينما انفجرت القاعة ضحكًا بعدما ارتدت الدعابة على صاحبها.

ترك زعيم الحزب المعارض الباب في مكانه وتجاوز حكاية الدروج ثم التقط العبارة التي أفلتت من إدريس لشكر وفتحت عليه أوسع أبواب التأويل: “هاد المرة”.

وهنا تبدأ الأسئلة الحكاية الحقيقية.. “هاد المرة” هي الكلمة التي سحبت الأضواء من الباب الخلفي إلى تاريخ الولوج نفسه وفتحت خزائن الأسئلة داخل أم الوزارات:

من أين كان يدخل إدريس لشكر من قبل؟ أي ممرات كان يسلك؟ وهل كانت وجهته القاعة الكبرى مباشرة، أم أن الطريق كان يمر عبر أبواب وغرف أخرى قبل الجلوس مع بقية الأمناء العامين؟ تلك هي المنطقة الرمادية التي لمح إليها رد زعيم المعارضة، تاركا ادريس لشكر محاصرا بما قاله بعظمة لسانه.

مقترحات أقوى مع الحفاظ على الإيحاء في صيغة التساؤل:

ولماذا سارع زعيم المعارضة إلى التشديد على أن الأمناء العامين ظلوا يدخلون من الباب نفسه ويصعدون الدروج نفسها؟ هل أراد حماية صورة وزارة الداخلية من إيحاء حملته عبارة لشكر؟ أم كان يصوب نحوه رسالة ساخرة تقول إن حكاية «الباب الخلفي» تخص تجربته وحده ولا يعرف عنها باقي زعماء الأحزاب شيئا؟

ما الذي دفع زعيم المعارضة إلى فتح سجل الولوج إلى وزارة الداخلية أمام الحاضرين، والتأكيد أن الجميع كانوا يعبرون المدخل ذاته ويسلكون الطريق ذاته؟ هل كان ينفي وجود معاملة خاصة داخل أم الوزارات، أم كان يحاصر إدريس لشكر بتلميح لاذع: نحن نعرف بابا واحدا، فمن أين كنت تدخل أنت؟

تدخل زعيم المعارضة لم يكن دفاعا بريئا عن هندسة مقر وزارة الداخلية، فقد اختار أن يثبت أمام الجميع أن قادة الأحزاب اعتادوا الباب نفسه والدروج نفسها.

فهل كان يغلق باب التأويل دفاعا عن الوزارة، أم كان يفتحه على مصراعيه في وجه لشكر، برسالة مشفرة مفادها: إن كنت تتحدث عن باب خلفي فحدّثنا عن تجربتك أنت؟

فلماذا أصر زعيم الحزب المعارض على توثيق مسار دخول الأمناء العامين إلى “أم الوزارات”؟ هل كان يبرئ وزارة الداخلية من شبهة الأبواب المخصصة أم كان يضع إدريس لشكر أمام سؤال قاسٍ، ما دام الجميع يعرفون بابا واحدا فأي باب خلفي كنت تعرفه أنت؟

انفض الاجتماع وأُغلقت أبواب وزارة الداخلية، لكن الحاضرين غادروها وهم يحملون في أذهانهم أسئلة أكثر من الأجوبة، وبقيت عبارات ادريس لشكر تحوم فوق القاعة كأنها آخر المتحدثين.. وفي السياسة، أحيانا تكفي كلمتان لتغلقا باب الاجتماع… وتفتحا أبواب التأويل على مصراعيها.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك