لم تسلم “الهندية” من نار الغلاء التي تطارد موائد المغاربة، فقد ارتفع سعر التين الشوكي إلى مستويات جعلت اقتناءه عبئا على أسر كثيرة، في وقت تتداخل فيه آثار الحشرة القرمزية مع المضاربة وتعدد الوسطاء، لتتحول فاكهة الصيف إلى عنوان جديد لأزمة القدرة الشرائية.
وتعود الأزمة، في أصلها، إلى التراجع الكبير في الإنتاج الوطني عقب انتشار الحشرة القرمزية، التي أتلفت مساحات شاسعة من حقول الصبار، خاصة بالمناطق القروية التي شكلت لسنوات خزانا رئيسيا لهذه السلسلة الفلاحية.
ومع تقلص العرض، ارتفع الضغط على السوق، ووجد المستهلك نفسه أمام أسعار بعيدة عن الصورة التي رسختها “الهندية” كفاكهة شعبية سهلة الولوج.
لكن ندرة المنتوج وحدها لا تفسر هذا الارتفاع القوي. فمسالك التسويق تعرف حضورا واسعا للوسطاء، مع ممارسات مضاربة ترفع الثمن تدريجيا من الحقل إلى المستهلك.
ويجري اقتناء المحصول من فلاحين صغار بأثمان محدودة، قبل أن يصل إلى الأسواق بهوامش ربح كبيرة، ما يضاعف العبء على الأسر في سياق يتسم بغلاء عدد من المواد الاستهلاكية.
وتطرح هذه الوضعية ضرورة تفعيل رقابة صارمة على مسالك التسويق، لأن حرية الأسعار لا تمنح رخصة لاستنزاف القدرة الشرائية أو استغلال ضعف العرض.
كما يفرض القانون رقم 31.08 المتعلق بحماية المستهلك توفير معلومات واضحة وصحيحة حول المنتجات، ومنع الممارسات التجارية المضللة، فيما يمنع القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة كل سلوك احتكاري أو اتفاق يمكن أن يؤثر على الأسعار أو يضعف المنافسة.
وتحتاج سلسلة التين الشوكي إلى تدخل واسع يتجاوز مراقبة الأسعار، عبر دعم الفلاحين الصغار والمتوسطين ماديا وتقنيا، وتشجيع غرس أصناف مقاومة للحشرة القرمزية، وتوسيع برامج البحث العلمي لإنتاج سلالات قادرة على مواجهة الأمراض والآفات.
كما يبرز دور التعاونيات الفلاحية في تقريب المنتوج من المستهلك، عبر تمكينها من التسويق المباشر وتقليص حضور الوسطاء، إلى جانب إطلاق برامج وطنية لترميم حقول الصبار، بالنظر إلى قيمتها الاقتصادية والبيئية ودورها في حماية التربة ومقاومة التصحر.
وتبقى “الهندية” أكثر من محصول صيفي؛ إنها جزء من ذاكرة الأسواق والقرى والطرقات المغربية، ومورد عيش لأسر كثيرة. لذلك، فإن تركها فريسة للآفات والمضاربة يعني فتح باب جديد من أبواب الغلاء، بينما المطلوب اليوم حماية هذه السلسلة من الجذور إلى السوق، حتى تبقى فاكهة قريبة من جميع المغاربة.