نزار بركة: أنا هو رئيس الحكومة المقبلة!

يبدو أن نزار بركة قرر أن يغادر منطقة الانتظار السياسي، وأن يخرج حزب الاستقلال من مقعد الراكب الهادئ إلى موقع من يرفع يده مبكرا ويقول للجميع: الطريق إلى رئاسة الحكومة تمر من الميزان.

فالأمين العام لحزب الاستقلال لم يعد يتصرف كرئيس حزب يبحث عن موقع مريح داخل أغلبية مقبلة، وإنما كمرشح مفترض لرئاسة الحكومة، يوزع الإشارات، ويرتب الصفوف، ويفتح النوافذ على تحالفات قد تبدو صادمة للبعض، وفي مقدمتها احتمال التقارب مع حزب العدالة والتنمية. وكأن نزار بركة يريد أن يقول بلغة السياسة لا بلغة التصريحات: أنا هو رئيس الحكومة المقبلة.

هذا الطموح الاستقلالي يأتي في لحظة سياسية ثقيلة، حيث تعيش الأغلبية الحالية على إيقاع تنافس داخلي مكتوم، وحيث تبدو أحزاب الحكومة وكأنها تستعد لمعركة ضد بعضها قبل أن تواجه خصومها.

ووسط هذا الارتباك، يحاول حزب الاستقلال أن يقدم نفسه كقوة توازن، وكمشروع بديل قادر على إعادة ترتيب الأوراق، بعدما ظل طويلا في موقع الشريك الذي يساند أكثر مما يقود.

لكن الطريق إلى رئاسة الحكومة لا يعبد بالشعارات وحدها، حيث أن الاستقلال مطالب أولا بأن يثبت أنه قادر على استرجاع حضوره الانتخابي في الدوائر التي تراجع فيها، وأن ينجح في اختيار مرشحين يحملون وزنا محليا حقيقيا، لا أسماء موسمية تبحث عن مقعد ثم تختفي إلى موعد انتخابي آخر.

أما الحديث عن تحالف محتمل مع العدالة والتنمية، فيحمل قدرا كبيرا من الرسائل السياسية. فهو من جهة ورقة ضغط على حلفاء اليوم، ومن جهة ثانية محاولة لاستثمار تقاطع محافظ بين الحزبين، ومن جهة ثالثة تلويح بإعادة إدماج “البيجيدي” في معادلة الحكم بعد سنوات من التراجع والإنهاك.

وهنا تبدأ المفارقة الساخرة: حزب الاستقلال، الذي يوجد داخل الأغلبية، يلمح إلى تحالف مع حزب قضى السنوات الأخيرة في موقع المعارضة.

إن المعنى السياسي واضح: بركة لا يريد أن ينتظر من يمنحه موقعا داخل حكومة مقبلة، بل يريد أن يصنع حكومته المحتملة بنفسه، وأن يضع الجميع أمام معادلة جديدة عنوانها: الميزان أولا، والباقي تفاوض.

غير أن ذاكرة المغاربة قصيرة أحيانا، لكنها لا تمحى بالكامل. فالناخبون سمعوا كثيرا من الوعود، وشاهدوا أحزابا تتحدث عن الإنقاذ ثم تذوب داخل تدبير يومي محدود الأثر.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه نزار بركة لا يتعلق بحقه في الحلم برئاسة الحكومة، فهذا حق سياسي مشروع، وإنما بقدرته على إقناع المغاربة بأن حزب الاستقلال يحمل فعلا عرضا سياسيا مختلفا، لا نسخة أخرى من هندسة التحالفات القديمة.

نزار بركة يعرف أن السياسة لا تكافئ المترددين. لذلك اختار رفع السقف مبكرا. يريد أن يحرج التجمع الوطني للأحرار، ويضغط على الأصالة والمعاصرة، ويفتح ممرا خلفيا مع العدالة والتنمية، ويبعث رسالة إلى الدولة والناخبين والأحزاب مفادها أن حزب الاستقلال عائد إلى طموح القيادة.

لكن رئاسة الحكومة في المغرب لا تنتزع بالرغبة وحدها. تحتاج إلى صناديق، وشبكات، وتحالفات، ووجوه قادرة على إقناع الشارع، وبرنامج يلامس الخبز والشغل والصحة والتعليم والكرامة. تحتاج إلى حزب يخرج من لغة “نحن حزب تاريخي” إلى لغة “نحن قادرون على تدبير الغد”.

إن ما يفعله نزار بركة اليوم محاولة مبكرة لاحتلال المخيال الانتخابي قبل انطلاق الحملة. يريد أن يطبع في ذهن الناخبين والخصوم معا صورة واحدة: الاستقلال قادم للمنافسة على الصدارة، لا لتزيين أغلبية جديدة.

وقد تنجح هذه المغامرة وقد تتحول إلى خطاب انتخابي أكبر من قدرة الحزب على ترجمته. لكن المؤكد أن نزار بركة أشعل السباق مبكرا، ورفع شعارا سياسيا واضحا حتى دون أن ينطقه حرفيا: أنا هو رئيس الحكومة المقبلة.

والآن، لم يعد السؤال: هل يطمح نزار بركة إلى رئاسة الحكومة؟
السؤال صار: هل يستطيع إقناع المغاربة بأن الميزان ما زال قادرا على وزن المرحلة؟

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك