خريطة المال والنفوذ.. من يتحكم في خيوط الاقتصاد المغربي؟

في ظل التحولات الاقتصادية المتسارعة التي يشهدها المغرب وتعزيز تموقعه الصناعي والمالي إقليمياً، يطرح سؤال حول طبيعة المنافسة داخل السوق الوطنية: هل تعكس كثرة الشركات مستوى تنافسياً فعلياً، أم أن بنية الملكية وتركيز النفوذ الاقتصادي يحددان موازين السوق بشكل أعمق مما توحي به الأرقام؟

هذا النقاش، الذي يتقاطع مع رهانات النمو والإنتاجية وتوزيع الثروة، يعيد تسليط الضوء على دور شبكات الملكية وتداخل المصالح بين المجموعات الاقتصادية الكبرى في تشكيل ديناميات الأسعار والاستثمار، وفي رسم ملامح المنافسة داخل اقتصاد يسعى إلى تسريع تحوله الصناعي وتعزيز اندماجه في سلاسل القيمة العالمية.

وفي هذا السياق، تشير قراءات تحليلية إلى أن بعض الاقتصادات الصاعدة، ومنها المغرب، تعرف تشابكاً في هياكل الملكية عبر قطاعات متعددة تشمل البنوك والبناء والتوزيع والفلاحة والاتصالات والصناعة، وهو ما قد ينعكس على طبيعة التنافس الفعلي داخل السوق.

ويؤكد مهتمون بالشأن الاقتصادي أن تعدد الفاعلين داخل القطاع لا يعكس بالضرورة مستوى تنافسياً مرتفعاً، إذ تظل درجة استقلالية الشركات عاملاً حاسماً في تحديد سلوك السوق. فحين تتقاطع الملكيات أو تتقاسم مؤسسات متعددة مساهمين رئيسيين أو تنتمي إلى مجموعات استثمارية مشتركة، قد تتغير ديناميات التسعير والاستثمار.

وتفيد الأدبيات الاقتصادية بأن تداخل الملكيات داخل شبكات أعمال واسعة يمكن أن يحد من حدة التنافس، حتى في غياب أي تنسيق مباشر بين الشركات، وذلك نتيجة تقارب المصالح الاستراتيجية للمجموعات المالكة، ما قد ينعكس على مستويات الأسعار وهوامش الربح.

كما يبرز خبراء أن الهوامش الربحية، التي تمثل الفارق بين تكاليف الإنتاج وأسعار البيع، تميل إلى الاعتدال في الأسواق التي تشهد تنافساً قوياً، بينما قد تسجل ارتفاعاً في البيئات التي تتسم بتركيز مرتفع للنفوذ الاقتصادي. ولا يقتصر تأثير هذه الهوامش على الأسعار فحسب، بل يمتد إلى توزيع القيمة المضافة ومستويات الابتكار والإنتاجية.

وخلال العقدين الماضيين، حقق المغرب تقدماً ملحوظاً في مجالات التصنيع والبنية التحتية وتنويع الصادرات، مع بروز قطاعات صناعية حديثة وتعزيز الاستثمار العمومي وتطوير الأسواق المالية. غير أن عدداً من المحللين يشيرون إلى استمرار تمركز الملكية في بعض القطاعات، في وقت تسعى فيه المقاولات الصغيرة والمتوسطة إلى توسيع حضورها داخل النسيج الاقتصادي.

وتبرز دراسات دولية أن الشركات المنخرطة في شبكات ملكية متداخلة تحقق في حالات عديدة مستويات أرباح أعلى مقارنة بالمؤسسات المستقلة، نتيجة انخفاض الضغوط التنافسية المباشرة. كما أن المؤشرات التقليدية لقياس التركّز، من قبيل مؤشر هيرفيندال-هيرشمان، قد لا تعكس دائماً الحجم الفعلي للقوة السوقية عندما تكون الشركات مرتبطة عبر شبكات ملكية مشتركة.

ويرى متابعون أن التحدي المطروح يتمثل في تحقيق توازن بين دعم المجموعات الاقتصادية الكبرى وتعزيز قدرتها التنافسية الدولية، وبين الحفاظ على بيئة داخلية قائمة على منافسة فعالة ومحفزة للابتكار والاستثمار.

وفي هذا الإطار، يوصي عدد من الخبراء بتعزيز شفافية هياكل الملكية وتطوير سياسات المنافسة بما يأخذ بعين الاعتبار تأثير شبكات الملكية المتداخلة، إلى جانب دعم نمو المقاولات الصغيرة والمتوسطة وتوسيع قاعدة الفاعلين الاقتصاديين.

ويؤكد محللون أن تعزيز تنافسية الأسواق يظل عنصراً أساسياً في دعم الإنتاجية والنمو المستدام، بالنظر إلى انعكاساته المباشرة على الأسعار والأجور والاستثمار، وعلى قدرة الاقتصاد الوطني على الاندماج في سلاسل القيمة العالمية وترسيخ مسار التحول الصناعي.

تابعنا على الفيسبوك