تشهد الاستراتيجية الفرنسية في القارة الإفريقية تحولا واضحا، عنوانه التراجع عن نموذج الحضور العسكري المباشر، مقابل الدفع بأدوات أقل صخبا وأكثر رسوخا، تقوم على الدبلوماسية والتعليم والاستثمار وبناء الشراكات الإقليمية.
وفي قلب هذا التحول، يبرز المغرب، ومعه الأقاليم الجنوبية، كأحد أهم مفاتيح التموضع الفرنسي الجديد في غرب إفريقيا والمجال الأطلسي، وفق قراءة أوردها تقرير نشرته الصحيفة الإسبانية “أتالايار”. 
ويضع التقرير الصحراء المغربية في مركز هذه المقاربة الجديدة، معتبرا أنها تجاوزت وضعها كملف سياسي إقليمي لتتحول إلى منصة استراتيجية تعيد عبرها باريس ترتيب حضورها في المنطقة.
ويعزز هذا المنحى تحرك ميداني فرنسي لافت، تمثل في زيارة السفير الفرنسي بالمغرب كريستوف لوكورتيي إلى العيون يوم 15 أبريل 2026، حيث شارك في افتتاح الموقع الجديد للثانوية الفرنسية الدولية بول باسكون، في خطوة تعكس حضورا مؤسساتيا طويل النفس داخل الأقاليم الجنوبية. 
هذا التوجه لا ينفصل عن التحول السياسي الذي طبع الموقف الفرنسي من ملف الصحراء منذ رسالة الرئيس إيمانويل ماكرون إلى الملك محمد السادس في 30 يوليوز 2024، والتي أكدت فيها باريس دعمها لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ومنذ ذلك المنعطف، توالت الإشارات السياسية والعملية التي تعزز هذا التموضع، سواء عبر الخطاب الدبلوماسي أو عبر توسيع الحضور الثقافي والتعليمي والمؤسساتي في المنطقة. 
ويأتي هذا التموضع الفرنسي الجديد في سياق تراجع نفوذ باريس في عدد من دول الساحل، بعد الانقلابات العسكرية وتصاعد الخطاب المعادي للوجود الغربي، ما دفعها إلى البحث عن صيغ نفوذ بديلة أكثر هدوءا وأقل كلفة سياسيا وأمنيا.
وضمن هذا الإطار، يظهر المغرب كشريك إقليمي يملك امتدادا إفريقيا وموقعا استراتيجيا يجمع بين الأطلسي والمتوسط، بما يمنحه وزنا متزايدا في الحسابات الفرنسية.
ويذهب تقرير “أتالايار” إلى أن باريس تراهن على هذا المحور من أجل بناء نفوذ غير مباشر، أكثر استدامة وأبعد عن نموذج الانتشار العسكري التقليدي. 
وتفتح هذه المقاربة على رهانات جيوسياسية واقتصادية أوسع، ترتبط بمشاريع الربط الإقليمي والطاقة والبنيات التحتية في الجنوب المغربي، في وقت يتزايد فيه التنافس الدولي على إفريقيا، مع حضور روسي وصيني متصاعد ومراقبة جزائرية حذرة لهذا التقارب الفرنسي المغربي.
وبذلك، تبدو الصحراء اليوم نقطة ارتكاز في معركة نفوذ تتجاوز منطق النزاع الإقليمي، نحو إعادة رسم موازين القوة في غرب إفريقيا والمجال الأطلسي.