تواجه صناعة السيارات المغربية تحولات أوروبية جديدة قد تؤثر على موقع المملكة داخل سلاسل القيمة المرتبطة بالاتحاد الأوروبي، في ظل تنامي توجهات حمائية داخل بروكسيل تحت عناوين السيادة الصناعية وتقوية الإنتاج داخل القارة.
وخلال العقد الأخير، رسخ المغرب حضوره كقاعدة صناعية مهمة في قطاع السيارات، بفضل استثمارات كبرى، ومصانع مهيكلة، وشبكة واسعة من المناولة والتصدير، جعلت المملكة ضمن الشركاء الصناعيين البارزين للأسواق الأوروبية.
ويأتي النقاش حول مشروع قانون “المسرع الصناعي” داخل الاتحاد الأوروبي في سياق رغبة بعض العواصم الأوروبية في تقوية الإنتاج المحلي، واسترجاع جزء من الأنشطة الصناعية التي انتقلت خلال السنوات الماضية إلى بلدان قريبة، من بينها المغرب.
ويطرح هذا التوجه تحديات مباشرة أمام منظومة السيارات المغربية، التي بنت جزءا مهما من قوتها على الارتباط بالسوق الأوروبية، سواء من خلال التصدير أو عبر حضور شركات كبرى تعتمد على المغرب ضمن شبكاتها الإنتاجية.
وتدافع جمعية المصنعين الأوروبيين للسيارات عن استمرار إدماج المغرب داخل سلاسل الإنتاج، بالنظر إلى حجم الاستثمارات القائمة والالتزامات الصناعية التي تربط عددا من الشركات الأوروبية بالمملكة.
في المقابل، يدفع مصنعو المكونات داخل أوروبا نحو تشديد شروط الاستفادة من الامتيازات الصناعية، وتوجيه جزء أكبر من الدعم نحو الإنتاج داخل الاتحاد الأوروبي، في توجه قد يفرض ضغطا جديدا على شركاء أوروبا خارج حدودها.
وبالنسبة للمغرب، فإن النقاش يتجاوز البعد التجاري، لأن قطاع السيارات يمثل إحدى ركائز الصادرات الوطنية، ومصدرا مهما لفرص الشغل والاستثمارات، كما يشكل عنصرا أساسيا في تموقع المملكة داخل الخريطة الصناعية الإقليمية.
وتفرض هذه التحولات على المغرب تسريع الانتقال نحو صناعة ذات قيمة مضافة أعلى، خاصة في مجالات البطاريات، والسيارات الكهربائية، والبحث والتطوير، والهندسة الصناعية، حتى يحافظ على تنافسيته أمام القواعد الجديدة التي يجري بحثها داخل أوروبا.
كما يحتاج المغرب إلى توسيع قاعدة شراكاته الصناعية، وتنويع الأسواق، وتقوية قدراته المحلية، بما يضمن حماية المكتسبات التي حققها القطاع، ويمنح المملكة موقعا أقوى في مواجهة التحولات المرتبطة بالسياسات الصناعية الأوروبية.
وتؤكد هذه التطورات أن مستقبل صناعة السيارات بين المغرب وأوروبا سيظل مرتبطا بمنطق المصالح المتبادلة، فالشركات الأوروبية تستفيد من القرب الصناعي المغربي، والمغرب يستفيد من الارتباط بسوق أوروبية واسعة، ما يجعل أي تغيير في قواعد الشراكة مكلفا للطرفين.
ويبقى الرهان المطروح أمام المغرب هو تثبيت موقعه كشريك صناعي وازن، قادر على الإنتاج والابتكار ومواكبة التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية وسلاسل القيمة النظيفة.