ولي العهد في قلب الجيش.. إعادة ترتيب هادئة لعمق الدولة الصلبة والعميقة

بقلم: مراد بورجى

تعيين الملك محمد السادس لولي العهد الأمير مولاي الحسن، يوم السبت 2 ماي 2026، منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية هو، في ظاهره، قرار تنظيمي داخل هرم المؤسسة العسكرية، لكنه، في جوهره، يمثل لحظة مكثفة تختزل مسارا طويلا من الإعداد الصامت، الذي جرى بناؤه بتدرج، وعلى مراحل، داخل أحد أكثر مفاصل الدولة حساسية وصلابة، حيث تتقاطع المعطيات الأمنية بالعسكرية، وحيث تُصاغ، في العمق، توازنات الدولة.

إن قراءة هذا التعيين ضمن سياق زمني أوسع تكشف أنه ليس إلا حلقة متقدمة في مسار انطلق، فعليا، منذ أكتوبر 2020، عبر سلسلة من الإجراءات التي أعادت ترتيب المؤسسة العسكرية بهدوء، وبإيقاع مضبوط، يؤشر إلى وجود تصور مسبق لما يُراد بناؤه. فعلى بُعد أشهر قليلة من بلوغ ولي العهد سن الرشد الدستوري (18 سنة) في 8 ماي 2021، انطلقت دينامية لافتة داخل الجيش، تمثلت في إحالة 15 عنصر برتبة جنرالاً، وثلاثة برتبة عقيد رائد “كولونيل ماجور”، وأكثر من 28 برتبة عقيد “كولونيل” على التقاعد من مختلف أسلحة الجيش العسكرية، ومن الدرك الملكي، والقوات المساعدة، والصحة العسكرية. قرار مفاجئ كان قد اتخده الجنرال دوكور دارمي أنذاك “الفريق أول” عبد الفتاح الوراق المفتش العام للقوات المسلحة الملكية بالتوازي مع تعيينات جديدة على رأس الحاميات والوحدات، في عملية كانت تجسيدا لما يمكن اعتباره إعادة ضخ دماء جديدة داخل بنية القيادة العسكرية.

هذا المسار تعزز بشكل أوضح في شتنبر 2021، حين عيّن الملك الجنرال دوكور دارمي بلخير الفاروق مفتشا عاما للقوات المسلحة الملكية، في خطوة أعادت ترتيب قمة الهرم العسكري، قبل أن يبلغ هذا المسار ذروته يوم 22 أبريل 2023، بتعيين الفريق محمد بريظ مفتشا عاما للقوات المسلحة الملكية وقائدا للمنطقة الجنوبية، خلفا للفريق أول بلخير الفاروق، وذلك قبل أقل من أسبوعين فقط من بلوغ ولي العهد سن العشرين وتحرره من مجلس الوصاية. هذا التزامن الزمني الدقيق يوحي بأن المؤسسة العسكرية كانت بصدد إعادة الهيكلة، في جزء منها على الأقل، تمهيدا لإدماج تدريجي لولي العهد الأمير مولاي الحسن داخل المؤسسة العسكرية، ليس فقط من حيث الرتبة، بل من حيث الفعل والاحتكاك المباشر بمستويات القيادة.

وفي هذا الإطار بالذات، لا يبدو هذا المسار، مفاجئا بالنسبة لي، بقدر ما كنت قد التقطت خيوطه الأولى منذ عدة سنوات، حين طرحت، في أكثر من مقال، فكرة “دولة ولي العهد” باعتبارها دينامية هادئة تتشكل داخل عمق الدولة، بعيدا عن ضجيج الواجهة السياسية. وأعتقد أن من أكثر الإشارات العملية دلالة على هذا المسار، عندما أبرزت، مباشرة بعد تحرر ولي العهد الأمير مولاي الحسن من مجلس الوصاية، طبقا لمنطوق الدستور، إثر بلوغه سن العشرين، حيث سَجل أول نشاط أميري ذي حمولة عسكرية يوم 14 ماي 2023، عندما ترأس، بنادي الضباط بالرباط، مأدبة غذاء بمناسبة الذكرى الـ67 لتأسيس القوات المسلحة الملكية، وهذا ما قرأته، آنذاك، كـ”تحول نوعي في طبيعة الأدوار المنتظرة، وانتقال من منطق الحضور الرمزي إلى منطق الإدماج الفعلي داخل مفاصل الدولة الصلبة”… واليوم، يأتي تعيين مولاي الحسن منسقا لمكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية ليؤكد ما ذهبت إليه وليكشف أن هذا التعيين هو تتويج مرحلي لمسار بدأ بإعادة تشكيل البيئة العسكرية المحيطة، مرورا بإعادة ترتيب القيادات، وانتهاء بإدماج تدريجي في دوائر القرار. بمعنى أن التعيين مؤشر استراتيجي على انتقال هادئ يجري الإعداد له داخل الدولة، وفق رؤية بعيدة المدى.

غير أن السؤال الذي يفرض نفسه، في ضوء هذا التدرج المحسوب، ليس فقط ما إذا كان هذا المسار قد أُعدّ لولي العهد، بل أيضا إلى أي حد يمكن القول إن ولي العهد نفسه كان جزءا من هذا المسار، ولو من موقع التتبع والتكوين التدريجي. فالتجارب الملكية، بطبيعتها، لا تُبنى فقط بقرارات فوقية، إذ تتشكل كذلك من خلال الاحتكاك المبكر بمراكز القرار، ومن خلال التدرّب الصامت على إدراك وضبط توازنات الدولة…

بهذا المعنى، لا يكون ولي العهد مجرد مستفيد من مسار جاهز، بل إنه فاعل في طور التكوين داخل هذا المسار، يتعلم قواعده، ويستوعب منطقه، ويحتك برجالاته، في أفق امتلاك القدرة على التعامل معه لاحقا، ليس من موقع الوراثة فقط، بل من موقع المعرفة المسبقة بتفاصيله الدقيقة. وهي، في العمق، إحدى الخصوصيات التي تميز نمط اشتغال الدولة المغربية، حيث يتم إعداد الانتقال داخل الاستمرارية، وليس عبر القطيعة كما كان الحال مع نظام جده الراحل الحسن الثاني…

صحيح أن ولي العهد لم يكن غائبا عن المؤسسة العسكرية من حيث الرتبة والانتماء، لكن الفارق الجوهري الذي يحمله هذا التعيين يكمن في الانتقال من موقع رمزي داخل التراتبية إلى موقع “وظيفي” داخل مركز التنسيق والاطلاع… ففي مثل هذه المواقع لا يجري الاكتفاء بالانضباط الشكلي، لأن المطلوب هو الاندماج في التفاصيل اليومية لصناعة القرار، والاحتكاك المباشر بثقافة القيادة العسكرية، وفهم منطق وميكانيزمات اشتغال الأجهزة في مستوياتها المختلفة… وهذا بالضبط ما يحوّل التعيين من مجرد تأهيل بروتوكولي إلى تمرين فعلي على الحكم من داخل أحد أكثر فضاءات الدولة انضباطا وتعقيدا، إذ أن الجيش، بهذا المعنى، يشكل مدرسة عملية للقيادة، لا تُدرَّس في الكتب ولا تُختزل في الرُّتب…

ولعل ما يعزّز هذه القراءة، ويُخرجها من دائرة التأويل الظرفي إلى أفق الاستمرارية المؤسساتية، هو أن هذا المسار ليس جديدا في تقاليد الدولة المغربية، بل يجد له سابقة واضحة في تجربة سابقة داخل نفس البنية. فقد سبق للملك محمد السادس، عندما كان وليا للعهد، أن تولّى تنسيق مكاتب ومصالح القيادة العامة للقوات المسلحة الملكية ابتداء من سنة 1985، في سياق مماثل من حيث الرهان على التكوين المبكر داخل المؤسسة العسكرية، والاحتكاك المباشر بمفاصلها الحيوية.

وإذا كان هذا الامتداد التاريخي يؤكد أن المؤسسة العسكرية ظلّت، في لحظات مفصلية، فضاء مركزيا في إعداد ولي العهد، فإن ما يضفي على التعيين الحالي دلالته الأعمق هو السياق الذي يأتي فيه، حيث تبدو هذه المؤسسة، أكثر من أي وقت مضى، قادرة على تأطير الكفاءة والانضباط وصناعة القرار، في مقابل حالة التآكل التي يعرفها الحقل الحزبي مثلا، وعجزه المتكرر عن إفراز نخب مؤهلة لمواكبة التحولات الكبرى التي تعرفها البلاد…

ففي الوقت الذي تحوّلت فيه الأحزاب، في جزء واسع منها، إلى فضاءات لإعادة إنتاج نفس الوجوه ونفس الممارسات، تظل المؤسسة العسكرية، بحكم طبيعتها الصارمة ومنطقها القائم على الاستحقاق والتدرج، إحدى القنوات القليلة التي يتم عبرها تكوين نخب قادرة على التدبير في شروط معقدة، وهو ما يمنح لتعيين ولي العهد داخلها بعدا يتجاوز التكوين العسكري في حد ذاته، ليطرح، في العمق، سؤالا أكبر يتعلق بمصادر إنتاج النخبة في المغرب، وبالتحولات التي قد تعيد رسم العلاقة بين الدولة والحقل السياسي في المرحلة المقبلة.

إن إدخال ولي العهد إلى قلب المؤسسة العسكرية لا يهدف فقط إلى تأمين وضمان استمرارية تقليدية للسلطة، لأن المراد، بالأساس، هو إعداد قيادة قادرة على تدبير دولة أكثر تعقيدا، تتداخل فيها التحديات الأمنية التقليدية مع تهديدات جديدة غير متماثلة، في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة، من قبيل الأمن السيبراني الذي أصبح من اختصاص هذه المؤسسة.

إن الرسالة التي يحملها هذا التعيين إلى الداخل لا تقل أهمية عن دلالاته المؤسساتية، وأعتقد أن قراءة التعيين في ضوء التحولات التي يعرفها الحقل السياسي، تقدم لنا، بوضوح، ملامح تصور أوسع بكثير مما يبدو على السطح… فمنذ سنوات، يتقدم مشروع إعادة هيكلة الدولة على أكثر من واجهة: إصلاح المنظومة الانتخابية، إعادة فتح المجال أمام المستقلين، الدفع نحو تجديد النخب، وإطلاق أوراش الدولة الاجتماعية والنموذج التنموي الجديد، الكل في اتجاه الإعلان عن الملكية البرلمانية… غير أن هذه الدينامية، التي مست الفضاء السياسي، ظلت تصطدم في لحظات كثيرة بأعطاب البنية الحزبية وحدود قدرتها على التفاعل مع التحولات. وهنا يبرز الفرق بين مجالات الدولة: فبينما تظل السياسة مجالا قابلا للتعطيل والتردد والانحراف، تبقى المؤسسة العسكرية مجالا للانضباط والاستمرارية والوضوح… لذلك يبدو أن إدماج ولي العهد في قلب هذه المؤسسة هو، في العمق، تثبيت لركيزة صلبة داخل مشروع أوسع لبناء ما أسميته في عدة مقالات، ومنذ عدة سنوات، بـ”دولة ولي العهد”، عبر الإمساك المتوازن بكل مفاصل القرار.

أما في الخارج، حيث تراقب القوى الدولية والإقليمية مسارات الاستقرار في الدول، فإن المغرب، بهذا التعيين، يبعث بإشارة دقيقة ولكن قوية في آن واحد: “لا وجود لفراغ محتمل في قمة الدولة، ولا انتقال مفاجئ خارج منطق المؤسسات… في المغرب هناك إعداد مسبق، وتدرج محسوب، واستمرارية مؤطرة”… وهي رسالة تكتسب أهميتها في محيط إقليمي يعرف هشاشة واضحة في أنماط انتقال السلطة، وتُعزز صورة المغرب كشريك مستقر قادر على ضمان استمرارية اختياراته الاستراتيجية…

في المحصلة الأخيرة، لا يبدو ولي العهد مجرد اسم يُدرج في موقع جديد داخل هرم المؤسسة العسكرية، إنه جزء من تصور أشمل يعيد تعريف مسارات التهييء للحكم، ويؤشر على انتقال هادئ نحو نموذج مختلف في صناعة النخبة، قوامه التكوين داخل دواليب الدولة العميقة، لا فقط عبر الواجهة السياسية.

إنه، في العمق، تحوّل صامت لكنه بالغ الدلالة: فحين تعجز السياسة عن إنتاج النخبة، تتكفّل الدولة بإعادة إنتاجها… من داخل مؤسساتها السيادية…

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك