وهبي يحرق ما تبقى من صورته السياسية في هجومه على المحكمة الدستورية

أثار خروج وزير العدل ضد المحكمة الدستورية، عقب إسقاطها مقتضيات من مشروع قانون يهم قطاعه، موجة واسعة من الاستغراب والانتقاد، بعدما اعتُبر كلامه مساسا خطيرا بروح الدستور، وانزلاقا سياسيا يكشف أزمة حقيقية في فهم حدود السلطة واحترام المؤسسات الدستورية.

فما صدر عن وزير يفترض فيه أن يكون حاميًا لسمو القانون، لم يُقرأ كمجرد تعبير انفعالي أو موقف سياسي عابر، بل كرسالة مقلقة صادرة من قلب السلطة التنفيذية تجاه أعلى هيئة دستورية مكلفة بمراقبة دستورية القوانين.

وهي رسالة تطرح سؤالًا خطيرا حول هل أصبحت المحكمة الدستورية “مزعجة” لأنها تمارس اختصاصها الطبيعي في حماية الدستور؟

في الأنظمة الديمقراطية الحديثة لا تُعتبر قرارات المحاكم الدستورية إهانة للحكومات ولا عرقلة لعملها، بل تشكل جزءًا من التوازن المؤسساتي الذي يمنع تغول السلطة السياسية. فالدستور ليس مجرد وثيقة رمزية، بل هو السقف الذي تخضع له الحكومة والبرلمان والإدارة، قبل المواطنين.

لكن تصريحات وزير العدل أوحت بعكس ذلك تمامًا، عندما بدا وكأنه يعتبر قرار المحكمة عقبة أمام الإرادة الحكومية، وليس تصحيحًا لمسار تشريعي شابه خرق دستوري.

وهو ما اعتبره مراقبون انزلاقًا خطيرًا نحو منطق سياسي لا يعترف إلا بمنطق الأغلبية، ويتعامل مع الرقابة الدستورية كأنها خصومة شخصية أو تصفية حساب مؤسساتية.

الأخطر في القضية أن الوزير ليس مراقبا خارجيا أو معلقا سياسيا، بل أحد أبرز المسؤولين عن النص القانوني الذي سقطت بعض مواده أمام المحكمة الدستورية.

وهنا تصبح المسؤولية السياسية والقانونية قائمة بشكل مباشر، لأن إسقاط مقتضيات قانونية بداعي عدم دستوريتها يضع الحكومة أمام احتمالين أحلاهما مرّ: إما أن النص تمت صياغته رغم العلم بتعارضه مع الدستور، أو أن الأمر يكشف ضعفًا كبيرًا في الكفاءة القانونية والتشريعية داخل الوزارة.

وفي الحالتين، فإن المنطق المؤسساتي السليم يقتضي الاعتراف بالخلل وتصحيح المسار، لا مهاجمة الجهة التي قامت بدورها الدستوري.

غير أن الوزير اختار الهروب إلى الأمام عبر توجيه الانتقادات للمحكمة الدستورية، في محاولة واضحة لتحويل الأنظار عن الفشل التشريعي الذي كشفه قرارها.

هذا السلوك يضرب في العمق مبدأ فصل السلط، الذي لا يقوم فقط على توزيع الاختصاصات، بل على الاحترام المتبادل بين المؤسسات. فحين يخرج وزير العدل ليعلن بشكل ضمني أو صريح سوء علاقته بالمحكمة الدستورية، فإن الأمر يتجاوز حدود “النقد” إلى خلق مناخ سياسي يوحي بأن الرقابة الدستورية أصبحت محل استهداف من داخل الحكومة نفسها.

ويحذر متابعون من أن أخطر ما في هذا الخطاب ليس مضمونه الآني فقط، بل أثره الرمزي على صورة المؤسسات وثقة المواطنين في دولة القانون، لأن تكرار التشكيك السياسي في قرارات المحكمة الدستورية قد يفتح الباب تدريجيًا أمام إضعاف هيبتها وتحويلها إلى طرف في الصراع السياسي، بدل بقائها حكمًا دستوريًا فوق التجاذبات.

كما تكشف الواقعة عن أزمة أعمق تتعلق بضعف الثقافة الدستورية داخل جزء من النخبة السياسية، حيث ما تزال بعض العقليات تنظر إلى الرقابة الدستورية باعتبارها “عرقلة” لا ضمانة، و”مواجهة” لا آلية تصحيح.

بينما تؤكد التجارب الديمقراطية الراسخة أن إسقاط القوانين غير الدستورية أمر طبيعي وصحي، لأنه يمنع الانحراف التشريعي ويحمي التوازن المؤسساتي.

وفي الوقت الذي كان ينتظر فيه الرأي العام من وزير العدل تقديم قراءة قانونية رصينة، أو الإعلان عن مراجعة النص بما ينسجم مع قرار المحكمة، اختار لغة سياسية متوترة عكست، بحسب متابعين، نزعة دفاعية وانفعالًا غير محسوب، لا يليق بمسؤول يوجد في موقع حساس يفرض عليه التحفظ والاتزان.

وفي المحصلة، فإن ما وقع لا يتعلق فقط بسجال عابر بين وزير وهيئة دستورية، بل يكشف توترًا مقلقًا بين منطق السلطة ومنطق الدستور. فالديمقراطية لا تُقاس فقط بنتائج الانتخابات، بل أيضًا بمدى قبول السلطة التنفيذية بالخضوع للقانون، واحترامها للمؤسسات التي تذكرها بحدودها.

لأن الدولة التي تغضب من المحكمة الدستورية بسبب تطبيق الدستور، تكون في الحقيقة قد بدأت تدخل منطقة رمادية يصبح فيها الدستور عبئًا على السلطة بدل أن يكون مرجعيتها العليا.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك