المغرب ومالي يرسمان معادلة جديدة في الساحل تجمع الأمن بالتنمية ومحاصرة التطرف

تتجه العلاقات بين المغرب ومالي نحو مستوى أوسع من التنسيق، عبر شراكة تمتد من التعاون السياسي إلى الأمن والتكوين والاستثمار والتنمية، وسط تحولات متسارعة تشهدها منطقة الساحل، حيث تتقاطع تهديدات الجماعات المسلحة مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية وضعف فرص الشغل أمام الشباب.

وجاء تسليم السلطات المالية «مركب محمد السادس للتكوين المهني» في باماكو ليمنح هذا التقارب بعدا عمليا، من خلال توفير تكوينات في مجالات البناء والأشغال العمومية والفندقة والسياحة والمطعمة، بما يفتح مسارات مهنية أمام الشباب المالي ويعزز اندماجهم داخل الدورة الاقتصادية.

ويحمل المشروع رهانا يتجاوز التأهيل المهني، بالنظر إلى أن توسيع فرص العمل وتقوية حضور الدولة داخل المجتمع يمثلان عنصرين أساسيين في مواجهة التنظيمات المتطرفة، التي تستغل الفقر والبطالة والهشاشة لاستقطاب الشباب وتوسيع نفوذها في عدد من مناطق الساحل.

ويقوم التصور المغربي على الجمع بين التعاون الأمني والاستثمار الاجتماعي، عبر معالجة مصادر التوتر قبل تحولها إلى تهديدات مسلحة، مع الاستفادة من تجربة المملكة في تدبير الحقل الديني وتكوين الأئمة والمرشدين ونشر خطاب ديني معتدل قادر على مواجهة الأفكار المتشددة.

وتمنح الروابط الدينية والثقافية القديمة بين المغرب ومالي مجالا واسعا لهذا التعاون، خاصة من خلال حضور الطرق الصوفية، وفي مقدمتها التيجانية والقادرية، بما يتيح دعم المؤسسات الدينية المحلية وتقوية دور العلماء في حماية المجتمع من خطابات العنف والتطرف.

ويبرز التنسيق الأمني والاستخباراتي ضمن ركائز الشراكة الجديدة، في ظل تمدد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين وتنظيم داعش في الصحراء الكبرى، وتداخل أنشطتهما مع شبكات تهريب الأسلحة والمخدرات والجريمة المنظمة، ما يرفع أهمية تبادل المعلومات وتطوير آليات الرصد والاستباق.

ويرى البراق شادي عبد السلام، المتخصص في إدارة المخاطر والأزمات والصراعات الدولية، أن استقرار مالي يقتضي اعتماد رؤية شاملة تربط الأمن بالتنمية والثقافة والتعليم، مع تقوية الثقة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، عوض حصر المواجهة في العمليات العسكرية.

وتمنح المبادرة الملكية الأطلسية لدول الساحل هذا التعاون بعدا اقتصاديا بارزا، عبر تمكين الدول الداخلية من الوصول إلى المحيط الأطلسي والاستفادة من البنية التحتية والموانئ المغربية، ما قد يفتح أمام مالي مسارات جديدة للتجارة والاستثمار ويخفف من عزلتها الجغرافية.

ويمكن للربط مع الموانئ المغربية أن يدعم الاقتصاد المالي ويوفر بدائل قانونية لشبكات التهريب، إلى جانب تحفيز الاستثمارات وتسهيل حركة السلع وتعزيز التكامل بين دول غرب إفريقيا والمملكة.

ويرافق التقارب الاقتصادي والأمني انسجام سياسي متزايد، جسده تجديد مالي دعمها للوحدة الترابية للمملكة ولمبادرة الحكم الذاتي، خلال الدورة الرابعة للجنة المشتركة الكبرى للتعاون، بما يؤكد انتقال العلاقة بين الرباط وباماكو إلى شراكة ذات أبعاد استراتيجية.

وتقدم هذه الدينامية تصورا مغربيا للاستقرار في الساحل، يقوم على تكوين الشباب وتحريك الاقتصاد وتقوية المؤسسات وتحصين المجال الديني وتطوير التعاون الأمني، بما يمنح دول المنطقة أدوات لمعالجة جذور الأزمات وصناعة استقرار طويل الأمد.

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك