المغرب يمد أوروبا بشرايين الطاقة الخضراء وكابلات المتوسط ترسم نفوذا جديدا

يدخل المغرب مرحلة طاقية ثقيلة، بعدما صار اسمه حاضرا في قلب الحسابات الأوروبية الخاصة بالأمن الطاقي، عبر مشاريع كبرى تربط الكهرباء النظيفة والهيدروجين الأخضر بالأسواق الأوروبية، في تحول يمنح المملكة موقعا متقدما داخل معادلة الطاقة الجديدة على ضفتي المتوسط.

وتضع المفوضية الأوروبية مشاريع الربط الكهربائي والهيدروجين الأخضر مع المغرب ضمن رهاناتها الكبرى لتأمين الإمدادات، وتقليص الارتهان لمصادر الطاقة الأحفورية، وسط سباق أوروبي متزايد نحو بدائل نظيفة ومستقرة. ويأتي هذا التوجه في سياق دولي يعرف ضغطا متصاعدا على سلاسل الطاقة، وارتفاعا في الطلب على الكهرباء المنتجة من مصادر متجددة.

ويستند الرهان الأوروبي على المغرب إلى مؤهلات طبيعية واستثمارية راكمتها المملكة خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مجالات الطاقة الشمسية والريحية، إلى جانب موقع جغرافي يمنحها قدرة على التحول إلى بوابة طاقية رئيسية نحو أوروبا. بهذا المعنى، لم تعد الطاقة النظيفة قطاعا اقتصاديا محدودا، وإنما ورقة استراتيجية تعزز موقع المغرب داخل شراكات كبرى طويلة المدى.

في صلب هذه الدينامية يبرز مشروع Morocco-Europe Energy، الذي يقوده تحالف دولي تتقدمه مجموعة Fortescue، لإنجاز كابل كهربائي بحري بقدرة تصل إلى 2 جيغاواط، يربط ميناء الناظور غرب المتوسط بمدينة فوس سور مير الفرنسية، في ورش ينتظر أن يدخل مرحلة التفعيل في أفق سنة 2038.

ويحمل هذا الكابل أهمية خاصة، لأنه يفتح ممرا مباشرا أمام الكهرباء المغربية المنتجة من مصادر متجددة نحو السوق الفرنسية، ومنها إلى الفضاء الأوروبي. كما يمنح المملكة موقعا متقدما داخل شبكات الطاقة العابرة للحدود، في لحظة تبحث فيها أوروبا عن مزودين قادرين على الجمع ما بين الاستقرار، والقرب الجغرافي، والقدرة الإنتاجية.

ولا تقف الطموحات عند الكهرباء، إذ يتقدم مشروع أنبوب الهيدروجين الأخضر كأحد الممرات الطاقية الكبرى المنتظرة في المنطقة. وتطور شركة Enagás هذا المشروع بشراكة مع المكتب الوطني للهيدروكربورات والمعادن، عبر أنبوب بحري يربط المغرب بإسبانيا، قبل إدماجه ضمن ممر H2Med نحو فرنسا، بما يتيح نقل الهيدروجين الأخضر المغربي إلى الأسواق الأوروبية بحلول سنة 2040.

هذا الورش يضع المغرب في قلب التحولات الطاقية العالمية، لأن الهيدروجين الأخضر مرشح ليصبح أحد أعمدة الصناعة والنقل والطاقة في أوروبا خلال العقود المقبلة. ومن خلال هذا الممر، تقترب المملكة من التحول إلى مصدر استراتيجي للطاقة النظيفة، قادر على جذب استثمارات ضخمة وفتح آفاق صناعية جديدة مرتبطة بسلاسل إنتاج الهيدروجين ومشتقاته.

وتمنح هذه المشاريع للمغرب وزنا جديدا داخل المتوسط، حيث تتحول الطاقة النظيفة إلى لغة نفوذ وشراكة طويلة الأمد. فالكهرباء الخضراء والهيدروجين لم يعودا مشاريع بيئية معزولة، وإنما أدوات لإعادة رسم خريطة المصالح الاقتصادية والجيوسياسية، في منطقة تتنافس فيها العواصم الكبرى على مسارات الإمداد ومراكز الإنتاج.

وبذلك، يرسخ المغرب موقعه كقوة إقليمية صاعدة في الطاقة النظيفة، قادرة على الجمع ما بين الإمكانات الطبيعية، والبنيات التحتية، والشراكات الدولية، والطموح الصناعي. ومع تقدم مشاريع الربط الكهربائي والهيدروجين الأخضر، تبدو المملكة أمام فرصة تاريخية لتحويل موقعها الجغرافي إلى قوة طاقية مؤثرة في مستقبل أوروبا.

تابعنا على الفيسبوك