وسط صمت إداري ثقيل، وبخطوات متدرجة تبدو تقنية في ظاهرها، يتشكل على الأرض تحول عميق في بنية منظومة السلامة الصحية بالمغرب، عنوانه الأبرز.. تفويض اختصاصات المكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية لفائدة هيئات خاصة.
وآخر حلقات هذا المسار جاء مع إعلان وزارة الصناعة والتجارة عن إطلاق طلب إبداء الاهتمام لاعتماد هيئات تقييم المطابقة للعمل بتنسيق مع الوزارة في إطار تنفيذ القانون 24.09 المتعلق بسلامة المنتوجات والخدمات، غير أن خلف هذا الإعلان تختبئ أسئلة أكبر تتجاوز مطابقة السلع إلى جوهر الرقابة على الأمن الغذائي الوطني.
وبررت وزارة الصناعة والتجارة القرار بكونه يأتي “وفقا للتشريع الجاري به العمل، وسيمنح الاعتماد لهيئات تقييم المطابقة لتمكينها من التدخل على مختلف مراحل عملية التحقق من مطابقة المنتجات المصرح باستيرادها و الخاضعة للمراقبة التنظيمية”، معتبرة أن هذه المبادرة في سياق مواصلة الجهود الرامية إلى تعزيز مراقبة السوق وضمان حماية المستهلك من المخاطر المرتبطة باستخدام المنتجات الصناعية الموجهة للسوق الوطنية، وكذلك ضمان منافسة نزيهة بين الفاعلين الاقتصاديين، المدعوين لتسويق منتوجات تستجيب لمتطلبات السلامة المنصوص عليها في التنظيمات الجاري بها العمل، مع تحديد أجل 31 مارس 2026 لإيداع طلبات الاعتماد.
إلا أن هذا الإعلان يتقاطع مع قرار سابق لوزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية رقم 25.2010 الصادر في غشت الماضي، والذي نص صراحة على تفويض مهام المكتب الوطني للسلامة الصحية المتعلقة بالزيارات الصحية المنتظمة للمؤسسات والمقاولات الغذائية وقطاع تغذية الحيوانات إلى هيئات عمومية أو أشخاص اعتباريين خاضعين للقانون الخاص.
وهنا تبدأ الصورة في الاتضاح. فنحن لا نتحدث عن خدمات جانبية أو مهام إدارية مساندة، بل عن صلب وظيفة “أونسا”.. المراقبة الصحية الميدانية المنتظمة، وهي العمود الفقري لأي منظومة تحمي المستهلك من المخاطر الغذائية.
وقد أُرفق القرار الوزاري بملحق يتضمن نموذج دفتر تحملات لاعتماد هذه الهيئات، ما يعني أن الباب فُتح رسميا أمام القطاع الخاص للولوج إلى مجال ظل لسنوات من اختصاص المرفق العمومي.
سياسيا، لم يمر الأمر مرور الكرام، حيث سارع فريق الاتحاد العام للشغالين بالمغرب بمجلس المستشارين إلى توجيه سؤال كتابي بشأن تفويض بعض مهام “أونسا” للخواص، محذرا من تداعيات قد تمس الصحة العامة وسلامة السلسلة الغذائية الوطنية.
إن هذا التخوف المطروح ليس تقنيا بقدر ما هو هيكلي، حيث كيف يمكن نقل مهام رقابية حساسة إلى فاعلين خواص، في وقت تتوفر فيه المؤسسة العمومية المعنية على مداخيل مالية مهمة كان من الممكن توجيهها لتعزيز مواردها البشرية وتحسين أداء المرفق العمومي بدل تجريده تدريجيا من اختصاصاته؟
وترى مصادر نقابية متحدثة لموقع “هاشتاغ” أن ما يجري يتجاوز منطق “التحديث” إلى إعادة رسم حدود الدولة في مجال الرقابة الصحية، حيث عندما تصبح الزيارات الصحية المنتظمة، التي تراقب شروط الإنتاج والتخزين والتوزيع، بيد هيئات خاصة، فإن سؤال الاستقلالية والحياد يفرض نفسه بقوة.
فهل ستتمكن هذه الهيئات من ممارسة الرقابة بنفس الصرامة عندما يتعلق الأمر بفاعلين اقتصاديين كبار؟ ومن سيتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية في حال وقوع اختلالات أو أزمات غذائية؟
إن الأمر يكتسب حساسية مضاعفة إذا استحضرنا أن المغرب عرف خلال السنوات الماضية توسيعا لنطاق التدبير المفوض في عدة قطاعات خدمية، من النظافة إلى النقل والإنارة. غير أن الانتقال اليوم إلى تفويض مهام مرتبطة مباشرة بالأمن الغذائي يضع البلاد أمام مستوى جديد من المخاطر، إذ أن سلامك السلسلة الغذائية ليست خدمة قابلة للتجريب، بل هي خط دفاع أول عن صحة ملايين المواطنين.
في المقابل، قد تدافع الحكومة عن هذه الخطوات باعتبارها جزءا من إصلاح يروم تخفيف الضغط عن الإدارة وتوسيع شبكة المتدخلين المعتمدين وفق دفاتر تحملات صارمة. وهو ما يصطدم بمعطى أساسي: إذا كانت “أونسا” تعاني من ضغط أو خصاص، فلماذا لا يتم دعمها وتحصينها بدل فتح الباب أمام نقل اختصاصاتها الجوهرية؟ ولماذا يُطرح خيار التفويض في مجال حساس، بينما يظل النقاش حول إصلاح المرفق العمومي نفسه مؤجلا؟
إن الواقغ اليوم يوحي بأننا أمام تحول صامت في فلسفة الرقابة، حيث تنتقل الدولة من موقع المراقب المباشر إلى موقع المؤطر والمفوض، مع ما يرافق ذلك من إعادة توزيع للأدوار والمسؤوليات.
وبين من يعتبر الخطوة اجتهادا إصلاحيا ينسجم مع منطق الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ومن يراها مخططا لتفكيك تدريجي لاختصاصات “أونسا” والسطو على أدوارها الرقابية، يبقى الرهان الحقيقي هو ضمان ألا تتحول السلامة الصحية إلى مجال تجاري جديد، وألا يدفع المستهلك ثمن مغامرة تنظيمية غير محسوبة العواقب.