في وقت تتسارع فيه التحولات الجيوسياسية والأمنية في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل، حذر تقرير تحليلي حديث من أن السنوات المقبلة ستشكل اختبارا حاسما لقدرة الجزائر على مواجهة تحديات داخلية وخارجية متشابكة، تمتد من الملفات السياسية والاقتصادية إلى القضايا الأمنية والإقليمية الحساسة.
وسلط تقرير صادر عن منصة “ساحل أنتليجنس” الضوء على طبيعة النموذج السياسي الجزائري الذي تشكل منذ الاستقلال سنة 1962، والقائم على مركزية الدولة والدور المحوري للمؤسسة العسكرية في تدبير الشأن العام، معتبرا أن هذا النموذج ساهم في الحفاظ على تماسك الدولة ومؤسساتها خلال محطات صعبة، من بينها فترة العشرية السوداء.
وتوقف التقرير عند عدد من الملفات التي يرى أنها ستظل حاضرة بقوة في مستقبل الجزائر، من أبرزها ملف منطقة القبائل، حيث ما تزال النقاشات متواصلة حول قضايا الهوية والثقافة والتنمية المحلية، في ظل مطالب تدعو إلى توسيع مجالات اللامركزية وتعزيز مكانة الخصوصية الأمازيغية داخل المنظومة الوطنية.
كما تناول التقرير ملف مخيمات تندوف والنزاع حول الصحراء، مشيرا إلى أن المتغيرات الإقليمية والدولية المتسارعة تفرض مراجعات جديدة في طريقة التعاطي مع هذا الملف الذي ظل لعقود أحد أبرز محددات السياسة الخارجية الجزائرية.
وعلى المستوى الأمني، حذر التقرير من التحديات المتنامية التي تفرضها الأوضاع المضطربة بمنطقة الساحل الإفريقي، وما يرافقها من تنامي شبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود وتحركات الجماعات المسلحة، وهي معطيات تضع ضغوطا إضافية على الجزائر في مجال تأمين حدودها الشاسعة.
وفي الجانب الاقتصادي، أكد التقرير أن الرهان الأكبر يبقى مرتبطا بقدرة الجزائر على تنويع اقتصادها وتقليص اعتمادها على عائدات النفط والغاز، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها أسواق الطاقة العالمية، إلى جانب الحاجة إلى خلق فرص شغل جديدة للشباب وتحسين مناخ الاستثمار وجذب رؤوس الأموال.
ورغم هذه التحديات، يرى معدو التقرير أن الجزائر تمتلك مقومات مهمة تمكنها من الحفاظ على استقرارها وتعزيز موقعها الإقليمي، بالنظر إلى إمكاناتها الاقتصادية والبشرية وموقعها الجيوسياسي الاستراتيجي.
وخلص التقرير إلى أن مستقبل الجزائر سيبقى رهينا بالخيارات السياسية والاقتصادية التي ستتبناها مؤسسات الدولة خلال السنوات المقبلة، وبمدى قدرتها على مواكبة التحولات الداخلية والتفاعل مع بيئة إقليمية تعرف تغيرات متسارعة.