في المغرب هناك نوع خاص من الأخبار الاقتصادية.
أخبار تبدأ دائما بالأرقام الكبيرة وتنتهي دائماً بالصمت الكبير.
هذه المرة جاء الدور على نتائج CDG Capital التي أعلنت أن ناتجها البنكي الصافي قفز إلى أكثر من مليار درهم خلال سنة واحدة فقط.
رقم ضخم. رقم يصلح لافتتاح البلاغات الرسمية والندوات المالية والاحتفال داخل قاعات مكيفة.
لكن خارج تلك القاعات يبدأ سؤال مختلف تماما.
من أين جاءت هذه القفزة المفاجئة في الأرباح؟
لأن الاقتصاد ليس سحرا. والأرباح لا تسقط من السماء مثل المطر. هناك دائماً تفسير خلف الأرقام.
وعندما نقترب قليلا من التفاصيل نكتشف أن جزءا من هذا “الإنجاز المالي” لا يتعلق بانفجار اقتصادي مفاجئ، بل بإدماج شركة جديدة اسمها Ajarinvest داخل الحسابات.
بمعنى آخر اتسعت الدفاتر.. فكبرت الأرقام.
لكن السؤال الذي يزعج أكثر ليس هذا.
السؤال الحقيقي يتعلق بالدور الذي أصبح يلعبه صندوق الإيداع والتدبير داخل الاقتصاد المغربي.
هذا الصندوق لم يُنشأ ليكون مؤسسة تجيد جمع الأرباح السنوية مثل أي بنك استثماري في حي المال بلندن.
هذا الصندوق وُلد أصلا ليكون خزان الاستثمار الاستراتيجي للدولة، محركاً للمشاريع الكبرى، وقاطرة للادخار الوطني نحو الاقتصاد الحقيقي.
لكن عندما نقرأ تفاصيل النتائج نجد أن الأداء القوي جاء أساسا من أنشطة الأسواق المالية ومن فروع مثل CDG Capital Gestion وCDG Capital Bourse.
وهنا تبدأ الحكاية تأخذ منحى مختلفاً.
لأن الربح في الأسواق المالية شيء.. والربح في الاقتصاد الحقيقي شيء آخر تماماً.
في الأسواق يمكن أن تربح الملايين وأنت جالس خلف شاشة تداول.
أما في الاقتصاد الحقيقي فالأمر يحتاج مصانع ومقاولات ومشاريع تشغل الناس وتخلق الثروة.
الفرق بين الاثنين هو الفرق بين اقتصاد يتحرك على الأرض واقتصاد يعيش داخل الأرقام.
ولا أحد يقول إن تحقيق الأرباح خطأ. بالعكس.
لكن عندما تصبح المؤسسة التي تدير مليارات الدراهم من المدخرات الوطنية خبيرة في صناعة الأرباح المالية أكثر من خبرتها في صناعة الاستثمار المنتج، فهنا يبدأ السؤال الذي لا يحب كثيرون سماعه.
هل تحول صندوق الإيداع والتدبير إلى لاعب مالي كبير في الأسواق؟
أم ما زال ذلك الصندوق الاستراتيجي الذي يقال لنا إنه يقود الاستثمار في البلاد؟
الأرقام الأخيرة تبدو لامعة.
لكن الأرقام اللامعة غالبا ما تكون اللحظة التي يجب أن نطرح فيها الأسئلة المزعجة.
لأن الاقتصاد ليس فقط ما يظهر في البلاغات.
الاقتصاد الحقيقي يبدأ خارجها.