تشهد هيئة الخبراء المحاسبين بالمغرب واحدة من أكثر المحطات الانتخابية توترا في تاريخها، مع اقتراب موعد انتخاب المجلس الوطني والمجالس الجهوية المرتقب يوم 21 ماي الجاري، وسط انقسام حاد داخل الجسم المهني ونقاشات ساخنة حول مستقبل المهنة في ظل التحولات الرقمية المتسارعة وصعود الذكاء الاصطناعي.
ووفق معطيات مهنية، فإن الحملة الانتخابية الحالية تجاوزت كل ما عرفته الهيئة في السنوات الماضية، سواء من حيث حدة الخطاب أو مستوى التوتر داخل مجموعات التواصل المهني، خصوصا على تطبيق “واتساب”، حيث تحولت النقاشات بين المرشحين والمهنيين إلى مواجهات مفتوحة تعكس حجم الأزمة التي تعيشها المهنة.
ويتمحور جانب كبير من الجدل حول الدراسة الاستراتيجية التي أنجزها المجلس الوطني للهيئة بكلفة بلغت 1,2 مليون درهم، بهدف إعادة هيكلة وتطوير مهام الخبير المحاسب، غير أن خلاصات هذه الدراسة فجرت موجة انتقادات واسعة داخل القاعدة المهنية، كما قوبلت – بحسب مصادر مهنية – بتحفظات من وزارة الاقتصاد والمالية باعتبارها الجهة الوصية تقنيا على القطاع.
ومن أبرز المقترحات التي أثارت الجدل، الدعوة إلى فتح رأسمال مكاتب الخبرة المحاسبية أمام شركاء من خارج الهيئة، والسماح بإحداث فروع وشركات تابعة للمكاتب، في خطوة يعتبرها البعض مدخلا لتحديث القطاع، بينما يراها آخرون تهديدا لاستقلالية المهنة وهويتها التقليدية.
كما أعادت الانتخابات إلى الواجهة النقاش القديم حول العلاقة المتوترة بين الخبراء المحاسبين والمحاسبين المعتمدين، إضافة إلى مقترحات فصل هيئة مراقبي الحسابات عن هيئة الخبراء المحاسبين، وهي سيناريوهات ما تزال مؤجلة في الوقت الراهن، لكنها تظل مطروحة بقوة داخل أروقة المهنة.
وفي المقابل، يفرض التحول الرقمي نفسه كأكبر تحد يواجه القطاع، خاصة مع اقتراب اعتماد الفاتورة الإلكترونية بشكل إلزامي قبل نهاية سنة 2026، وهو ما سيجبر آلاف المقاولات المغربية على رقمنة مساطر الفوترة والتدبير المالي وفق معايير جديدة تفرضها الإدارة الجبائية.
ويؤكد مهنيون أن هذا التحول سيغير بشكل جذري طبيعة عمل مكاتب الخبرة المحاسبية، حيث ستتراجع المهام التقليدية المرتبطة بمسك المحاسبة والمراقبة، مقابل صعود خدمات الاستشارة الجبائية والمواكبة الاستثمارية والتحليل المالي، وهي المجالات التي ستصبح أكثر ارتباطا بالكفاءة الرقمية والقدرة على توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي.
وتكشف أرقام المهنة حجم الاختلالات التي يعيشها القطاع، إذ إن 80 في المائة من المهنيين لا يتوفرون على أي مهمة لمراقبة الحسابات، بينما تحقق 60 في المائة من المكاتب رقم معاملات يقل عن مليون درهم سنويا، في سوق يهيمن عليه عدد محدود من المكاتب الكبرى التي تستحوذ على أهم الصفقات والمهام ذات القيمة العالية.
وفي خضم هذه التحولات، ترتفع أصوات شبابية داخل الهيئة مطالبة بإصلاحات عميقة تواكب التحولات التكنولوجية وتمنح فرصا أكبر للمكاتب الصغرى والمتوسطة، معتبرة أن مستقبل المهنة لن يُحسم فقط عبر صناديق الاقتراع، بل أيضا عبر القدرة على التأقلم مع ثورة رقمية تعيد رسم خريطة المحاسبة والتدقيق والاستشارة المالية بالمغرب.