في الوقت الذي يرفع فيه المغاربة سلاح المقاطعة في وجه “سنطرال دانون”، احتجاجاً على زيادات مست أسعار عدد من منتجاتها، اختارت الشركة الهروب من مواجهة أصل الأزمة نحو ضخ مقالات إشهارية مدفوعة، تتغنى بالجوائز والتتويجات وتصنع صورة وردية بعيدة عن واقع المستهلك المثقل بغلاء المعيشة.
قرار الزيادة أشعل موجة رفض واسعة داخل الأسواق وعلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث سارع مواطنون إلى الدعوة لترك منتجات الشركة فوق رفوف المتاجر، رداً على سياسة سعرية اعتبروها استفزازاً مباشراً للأسر المغربية، لاسيما أن الأمر يتعلق بمواد غذائية مرتبطة بالاستهلاك اليومي.
وحاول موزعون وعاملون مرتبطون بالشركة تسويق مبررات تتصل بارتفاع أسعار المواد الأولية والطاقة، وكلفة اليد العاملة وتجميع الحليب من الكسابة، إلى جانب الاستثمارات المنجزة بمصنع الفقيه بن صالح. إلا أن هذه الحجج اصطدمت بغضب مستهلك يرى أن الشركات الكبرى تحرص على حماية أرباحها، بينما يجري تحميل الأسر كل ارتفاع جديد في تكاليف الإنتاج.
وأظهرت صور ومقاطع متداولة تكدس منتجات “سنطرال دانون” داخل متاجر ومساحات تجارية، وسط اتساع الدعوات إلى المقاطعة ورفض الخضوع لسياسة فرض الأسعار، وهي مؤشرات تضع الشركة أمام أزمة ثقة حقيقية، خصوصاً أنها سبق أن واجهت حملة مماثلة كبدتها خسائر ثقيلة وأجبرتها على مراجعة خطابها تجاه المغاربة.
وبدل تقديم جواب واضح بشأن الزيادات أو الإعلان عن مراجعتها، اندفعت شركة “سنطرال دانون” نحو حملة علاقات عامة تروج لفوزها بثلاث جوائز ضمن تصنيف “براند أفريكا 100”، منها لقب العلامة الغذائية التي تحظى بالإعجاب، وجائزة المسؤولية الاجتماعية للمقاولات، ثم جائزة “Grand Prix Elevate”.
وجرى تقديم هذه الجوائز داخل مقالات مدفوعة بصيغة خبرية، في محاولة لمنح الدعاية لباساً صحفياً وإغراق الفضاء الإعلامي بخطاب يمجد الشركة وإنجازاتها، تزامناً مع تصاعد الغضب الشعبي، وهو اختيار يكشف رغبة واضحة في إدارة الأزمة عبر تلميع السمعة، عوض الإنصات إلى المستهلك ومراجعة الأسعار التي فجرت المقاطعة.
إن جوائز العلاقات العامة لا تخفض ثمن الحليب، وبلاغات التتويج لا تحمي القدرة الشرائية، والمقالات المؤدى عنها لا تمحو غضب الأسر. وما تحتاجه “سنطرال دانون” ليس شراء المديح، وإنما احترام زبنائها والكف عن التعامل معهم كجيوب مفتوحة لتمويل أرباحها واستثماراتها.
بهذا الأسلوب، تبدو الشركة وكأنها تريد إقناع المغاربة بأن شهادات التكريم أصدق من فواتيرهم اليومية، وأن صورة العلامة أهم من معاناة المستهلك. غير أن المقاطعة تحمل رسالة صريحة: المغاربة لا يأكلون الجوائز، ولا يدفعون ثمن الإشهار المقنّع من قوت أبنائهم.