صندوق الإيداع والتدبير يقامر بـ15 مليار درهم من أموال التقاعد… من يحمي مدخرات الموظفين؟

تتحرك 15 مليار درهم من احتياطات النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد RCAR نحو شركات مالية خاصة، في قرار يضع صندوق الإيداع والتدبير أمام موجة أسئلة حول مصير أموال اقتطعت من أجور منخرطين ينتظرون منها معاشا آمنا لا رهانا مفتوحا داخل السوق.

فالعملية التي يجري تقديمها بعبارات التحديث ورفع الأداء وتنويع الاستثمار، تبدو في عمقها تحولا في تدبير ادخار اجتماعي يهم آلاف المتقاعدين والموظفين، خصوصا أن الأمر يرتبط بكتلة مالية ضخمة يفترض أن تظل محاطة بأقصى درجات الحماية والشفافية
والرقابة.

وعندما تقرر مؤسسة عمومية بحجم صندوق الإيداع والتدبير إسناد جزء من احتياطات التقاعد إلى شركات خاصة، يصبح السؤال أوسع من حسابات المردودية. من يضمن سلامة هذه الأموال؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا اهتزت الأسواق أو تراجعت قيمة الاستثمارات؟ وهل يمكن التعامل مع معاشات المواطنين بمنطق تجاري تحكمه نسب الربح والمخاطر؟

وتزداد حساسية القرار بالنظر إلى أن أموال التقاعد لا تشبه باقي الاستثمارات، فهي ليست أرقاما داخل محفظة مالية، وإنما حقوق اجتماعية راكمها المنخرطون عبر سنوات من الاقتطاعات. لذلك، فإن أي تفويت في تدبيرها يحتاج إلى جواب واضح حول حدود الرقابة العمومية، وطبيعة الشركات المستفيدة، ومعايير الاختيار، ونوعية الالتزامات الم
فروضة عليها.

ويفتح هذا التوجه الباب أمام نقاش أكبر حول موقع الدولة في حماية الادخار الجماعي. فإذا كان صندوق الإيداع، بما راكمه من تجربة وخبرة، يتجه إلى تسليم جزء من هذه المهمة للخواص، فهل نحن أمام إصلاح مالي مضبوط، أم أمام انسحاب تدريجي من مسؤولية اجتماعية يفترض أن تبقى في صلب دور الدولة؟

وتفيد المعطيات الرسمية بأن رفع حصة التدبير المفوض قد يتواصل خلال السنوات المقبلة، ما يجعل المنخرطين أمام مسار جديد تنتقل فيه مبالغ إضافية من احتياطات التقاعد إلى السوق المالية. وهنا لا يكفي الحديث عن النجاعة، لأن الثقة في منظومة التقاعد تبنى على الضمانات قبل الأرباح، وعلى الحماية قبل المغامرة.

إن المتقاعدون لا يبحثون عن عوائد براقة في نشرات مالية، بل عن معاش ثابت وحقوق مصونة وطمأنة مؤسساتية. والموظفون الذين يساهمون اليوم في هذه الصناديق يحتاجون إلى معرفة أين تذهب مدخراتهم، ومن يديرها، وبأي سقف من المخاطر، وتحت أي محاسبة.

وبهذا القرار، يدخل صندوق الإيداع والتدبير اختبارا صعبا أمام الرأي العام، حيث أن الحديث عن 15 مليار درهم من أموال التقاعد يفرض كشفا كاملا لمعالم العملية، حتى لا تتحول وعود التحديث إلى مصدر قلق اجتماعي، وحتى لا يجد المنخرطون أنفسهم أمام سؤال موجع: هل صارت معاشات الغد ورقة في يد السوق
؟

آخر الأخبار

تابعنا على الفيسبوك