منذ اللحظة التي وطئت فيها قدما فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، قاعة المجلس الوطني لحزب الأصالة والمعاصرة، اليوم السبت 25 يوليوز الجاري، بدا أن الحزب استقبل رجلا يفوق وزنه قدرة قيادته على الاستيعاب.
لم تحتج القاعة إلى إعلان رسمي كي تعرف من خطف الأضواء، ولم يحتج الوافد إلى منصب حزبي كي يفرض حضوره؛ دخل بسجل مؤسساتي ثقيل، فاهتزت أمامه منصة تحاول إخفاء ارتباكها خلف التصفيق والنكات والابتسامات المصنوعة.
لقد تحولت الدورة الثانية والثلاثون للمجلس الوطني لـ«البام» إلى ساعة كشف حزبية سقط خلالها قناع القيادة الجماعية.
فبدل أن يظهر حزب الأصالة والمعاصرة تنظيما واثقا يفتح أبوابه أمام اسم وازن، ظهر كجهاز مذعور يحصي الأنفاس، ويراقب الكاميرات، ويقيس المسافة بين مقاعد القيادة والوافد الذي استحوذ على الانتباه قبل أن يحصل على أول تكليف داخل الحزب.
لقد اختارت فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة الوطنية للقيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة، ووزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، وعمدة مراكش، إعلان التحاق فوزي لقجع بالمكتب السياسي للحزب، بمخاطبته باسمه الشخصي «فوزي»، متجاوزة لقبه العائلي، وهو تصرف قد يراه البعض عفويا، إلا أن السياق السياسي حمّله معنى آخر: محاولة لتصغير رجل كبر حضوره داخل القاعة، ورسالة سلطة صادرة عن «زعيمة» شعرت بأن مركزها صار تحت ضغط اسم واحد.
لكن محاولات التحكم في الصورة لم تصمد طويلا، إذ كان فوزي لقجع مركز الحدث، فيما بدت فاطمة الزهراء المنصوري كأنها تخوض معركة خفية مع عدسات الكاميرات.
فحضور الرجل فرض نفسه، وترك القيادة الجماعية في موقع دفاعي، تتصرف كما لو أن العضو الجديد جاء لانتزاع مفاتيح «الجرار»، لا لتعزيز صفوفه.
ثم تسرب الارتباك من الكواليس إلى الصورة، إثر رفض المنصوري التقاط لقطة تذكارية مشتركة مع لقجع، قبل تدخل عبد اللطيف وهبي، وزير العدل والأمين العام السابق لحزب الأصالة والمعاصرة، لدفعها نحو توثيق الصورة التي كان يفترض أن تكون عفوية، لكنها بدت أقرب إلى تسوية حزبية عاجلة أنقذت القيادة من إحراج أمام الصحافة.
أي قيادة حزبية هذه تخشى صورة مشتركة مع رجل قدمته باعتباره مكسبا سياسيا؟
إن الواقعة تختصر أزمة «البام»: حزب يبحث عن الأسماء الثقيلة لإنقاذ رصيده، ثم يرتبك لحظة اكتشاف أن ثقلها قد يسحق موازين النفوذ القديمة.
فوق المنصة، قررت فاطمة الزهراء المنصوري منح التوتر صوتا علنيا، مخاطبة لقجع بعبارة: «هذه أول مرة منذ انتخابي رئيسة للقيادة الجماعية شي واحد كيسرق مني الأضواء… هاد المرة غادي نسمح ليك، ولكن المرة الجاية الانضباط».
قالتها في قالب أقرب إلى المزاح، لكن السياسة تلتقط ما وراء الضحكات، إذ لم تكن العبارة ترحيبا بريئا، وإنما تحذيرا مبكرا من الاقتراب من مساحة القيادة.
من يسرق الأضواء ممن؟ لقجع الذي حضر بسيرته ووزنه المؤسساتي، أم قيادة الحزب التي حاولت تحويل مجلس وطني إلى مسرح لتثبيت زعامة مرتبكة؟ وهل يحتاج الرجل إلى إذن من المنصوري كي يحظى باهتمام القاعة، أم أن من يخشى الضوء هو من يشعر بأن رصيده الحزبي أضعف من صورته الرسمية؟
إن المشكلة أعمق من عبارة عفوية أو لقطة فوتوغرافية، إذ إن ما جرى كشف صراعا مستترا حول من يملك مركز الجاذبية داخل حزب أرهقته الأزمات والمتابعات القضائية التي طالت أسماء بارزة في صفوفه؛ قيادة تبحث عن لقجع لتقوية الحزب، لكنها ترتجف من احتمال أن يصبح الرجل أقوى من القيادة ذاتها.
وازداد تخبط فاطمة الزهراء المنصوري خلال تقديم عبد الحق شفيق، المرشح عن دائرة عين الشق، إذ ارتفع صوتها وتحول تفاعلها إلى عرض صاخب لا ينسجم مع موقع منسقة وطنية تتزعم أحد أحزاب الأغلبية الحكومية، فتحولت منصة سياسية إلى مساحة للصراخ والاستعراض، بينما غابت الرسائل الكبرى، وضاع الخطاب الحزبي بين التصفيق وحسابات الأضواء والكاميرات.
لم يكن المطلوب من فاطمة الزهراء المنصوري أن تقرأ خطابا باردا، لكن الحماسة شيء، وتحويل المجلس الوطني إلى فرجة شيء آخر. فالوقار السياسي لا يُقاس بدرجة الصوت، وقوة الزعامة لا تُبنى بالصراخ، والانضباط الذي طالبت به فوزي لقجع كان أولى أن تفرضه على أداء قيادة بدت عاجزة عن ضبط صورتها.
وسرعان ما انتقلت عدوى التخبط إلى سمير كودار، رئيس قطب التنظيم ورئيس لجنة الانتخابات بحزب الأصالة والمعاصرة ورئيس مجلس جهة مراكش آسفي، الذي سألته الصحافة عن احتمال ترشح لقجع بدائرة بركان، فأجاب: «سولوه».
كلمة واحدة هدمت خطابا كاملا عن التنظيم والاستعداد الانتخابي؛ فكيف لرئيس لجنة الانتخابات ألا يملك جوابا عن مستقبل أبرز وافد إلى الحزب، أو أن يملك الجواب ويختار الهروب منه؟
وفي الحالتين، تبدو القيادة أمام مأزق: إما أن القرار الانتخابي يُطبخ خارج مؤسساتها، وإما أن مسؤولها التنظيمي تحول إلى شاهد صامت على قرارات لا يملك الجرأة على شرحها.
إن فوزي لقجع أمام حزب يحتاج إلى إعادة بناء، ويحتاج إلى سلطة قرار، ويحتاج إلى تنظيم يحترم مؤسساته، لا إلى قيادة تخوض حربا صغيرة حول من يسرق الأضواء ويقف أمام الكاميرات.
أما «بنت الباشا»، فتقف أمام استفهام سياسي لا يمكن إسكاته بالضحك أو التصفيق: هل ما زالت تقود الحزب، أم تحاول الدفاع عن موقعها أمام رجل بدأ بتغيير موازين القوة منذ أول جلوس له في مقاعد «الجرار»؟
لقد أرادت قيادة «البام» تقديم فوزي لقجع إلى مناضليها، فقدمت عجزها إلى الرأي العام.
أرادت عرض قوة جديدة، فكشفت هشاشتها القديمة.
أرادت صورة انتصار، فخرجت بصورة حزب يخشى ضيفه، ويتوجس من نجمه، ويرتبك أمام اسم جاء ليمنحه ما عجزت قيادته عن إنتاجه: الوزن والثقة والهيبة.
ويبقى الاستفهام الذي سيطارد القيادة الجماعية لحزب الأصالة والمعاصرة خلال الأسابيع المقبلة: هل جاء لقجع لإنقاذ «التراكتور» من الغرق، أم حضر ليعلن، بصمته وثقله، أن زمن القيادة الحالية يقترب من السقوط؟