تكشف معطيات مراجعة اللوائح الانتخابية المرتبطة باستحقاقات 2026 عن مؤشر مقلق على اتساع فجوة الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة.
فالأمر لا يتعلق بأقل من 400 ألف ناخب في المطلق كما قد يوحي به في الخطاب المتداول، وإنما بعدد طلبات التسجيل الجديدة خلال عملية المراجعة، في وقت أعلن فيه وزير الداخلية أن العدد الإجمالي للمسجلين في اللوائح الانتخابية العامة بلغ نحو 16.5 مليون مسجل.
هذا التوضيح الرقمي لا يخفف من ثقل الرسالة السياسية، حيث عندما يبقى الإقبال على التسجيلات الجديدة محدودا، خاصة في فئة الشباب، فإن ذلك يعكس حالة فتور عميقة تجاه الفعل الانتخابي، ويؤشر على تراجع منسوب الإيمان بقدرة السياسة على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين.
وهنا لا يبدو العزوف نتيجة ضعف تواصل أو قصور حملات تحسيس، وإنما نتيجة تراكم خيبات، واتساع المسافة بين الوعود المعلنة والواقع اليومي.
الفئة الشابة، التي كان يفترض أن تضخ نفسا جديدا في المشهد الانتخابي، تبدو اليوم أكثر ميلا إلى التواري عن المجال السياسي.
لا حماسة ظاهرة ولا اندفاع جماعي نحو التسجيل ولا اقتناع بأن صناديق الاقتراع قادرة على فتح أفق جديد، وهذا في حد ذاته معطى بالغ الخطورة، لأن عزوف الشباب لا يضعف المشاركة فحسب، بل يضرب أيضا شرعية التمثيل في عمقها.
وبالعودة إلى انتخابات 2021، فإن نسبة المشاركة بلغت 50.35 في المائة، وهي نسبة ارتبطت بسياق خاص اتسم بتنظيم الانتخابات التشريعية والجماعية والجهوية في يوم واحد، ما منح العملية زخما استثنائيا.
أما في أفق 2026، حيث يلوح سياق مختلف سياسيا وانتخابيا، فإن مؤشرات التعبئة الحالية لا توحي بالمستوى نفسه من الانخراط.
وإذا كان مجلس النواب يضم 395 مقعدا، فإن الرهان لا ينحصر في عدد المقاعد المتبارى حولها، بل في حجم الشرعية الشعبية التي ستفرزها صناديق الاقتراع.
فكلما تراجع التسجيل، وتراجع معه التصويت، ازدادت احتمالات إنتاج مؤسسات بتمثيلية ضعيفة وسند شعبي محدود، بما يفتح المجال أمام عودة الوجوه نفسها، والتوازنات نفسها، والخطاب نفسه.
المقلق في هذا المسار أن الانتخابات قد تفقد، تدريجيا، معناها السياسي كآلية للتداول والتجديد والمحاسبة، وتتحول إلى محطة لإعادة ترتيب المواقع داخل البنية الحزبية ذاتها.
وعند هذه النقطة، لا يعود العطب تقنيا أو ظرفيا، بل يصبح مؤشرا على أزمة تمثيل حقيقية، تتجاوز الأحزاب إلى صورة السياسة نفسها في الوعي الجماعي.
ما يجري اليوم أقرب إلى زلزال سياسي صامت. فالمواطن الذي يحجم عن التسجيل لا ينسحب في صمت فارغ، وإنما يبعث برسالة احتجاج ثقيلة، إنه يقول، من دون ضجيج، إن الثقة تآكلت، وإن الخطاب السياسي لم يعد قادرا على الإقناع، وإن الفجوة بين المعيش اليومي والوعود الانتخابية اتسعت إلى حد مقلق.
لذلك، فإن التحدي المطروح قبل استحقاقات 2026 لا يتعلق فقط برفع نسبة المشاركة، وإنما بإعادة بناء المعنى السياسي للمشاركة نفسها، لأن أي اقتراع لا يستند إلى ثقة حقيقية، ولا يوقظ الأمل في التغيير، يظل معرضا لأن يتحول إلى تمرين انتخابي بارد، ينتج مؤسسات قائمة شكلا، ومجروحة تمثيلا.